الأخذ بخبر التلفون والبرق في رؤية الهلال من رمضان وشوال
الجزء ١ · صفحة ٦٩ثُمَّ أَوْرَدَ البُخَارِيُّ حَدِيثَيْنِ، أَحَدَهُمَا: حَدِيثُ ابْنِ عَمْرٍو فِي قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ (?)، وَالثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ (?)، وَهُمَا مَعْلُومَانِ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ، وَوَجْهُ الاسْتِدْلَالِ
مِنْهُمَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ؛ فَلَا تُطِيلُ بِذِكْرِه هَا هُنَا.
رَجَعْنَا إِلَى الكَلَامِ عَلَى القِيَاسِ، فَنَقُولُ: جَعَلَ القَائِسُ هَذِهِ الصُّوَرَ أَصْلًا لِقِيَاسِهِ، وَالخَبَرَ في البَرْقِ وَالتَّلَفُونِ فَرْعًا، وَالعَلَّةُ الجَامِعَةُ هِيَ العَدَالَهُ مَثَلًا مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّاهِدِينَ وَمِنَ المُتَكَلِّمِ فِي التَّلَفُونِ وَالنَّاقِلِ لِكَلَامِهِ لِمَنْ لَمَّ يَسْمَعْهُ بِنَفْسِهِ، وَالحُكْمُ جَوَازُ القَبُولِ وَوُجُوبُهُ فِي الطَّرَفَيْنِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا مَعَ العَدَالَةِ مَعْرِفَةَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالمَنْقُولِ الخَبَرُ عَنْهُ تَحْقِيقًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنِّ مَثَلًا، فَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَهُ مُضَافًا إلى العَدَالَةِ، فَيَكُونُ مِنْ قِبل العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ عَلَى القَوْلِ بِجَوَازِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَجْعَلَهُ قَيْدًا لَهَا عَلَى القَولِ بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْكِيبِ التَّعْلِيلِ.
وَالحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الحُكْمِ المُحَافَظَةُ عَلَى الأَمْوَالِ، وَصَوْفُهَا فِي الشَّهَادَاتِ المَالِيَّةِ، وَالأَخْذُ بِوَثِيقِ العُرَى فِي العِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ، لِئَلَّا يَتَطَرَقَ إِلَيْهَا خَلَلٌ، فَهَا هُنَا قَدْ اسْتَوْقَ القِيَاسُ أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ، وَبَقِيَ هَلْ هُنَالِكَ فَادِحٌ يَقْدَحُ فِيهِ، فَلَا نَرَى شَيْئًا مِمَّا يَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى مَا نَفْهَمُهُ مِن اصْطِلَاحَاتِ عُلَمَاءِ الأُصُولِ. أَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ هَذَا مِنْ خَوَارِقِ العَادَةِ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الأَصْوَاتِ مِنَ المَسَافَاتِ البَعِيدَةِ شَيْءٍ غَيْرُ مَأْلُوفٍ عَادَةً وَطَبْعًا، فَيُنْكِرُ تَصْدِيقَهُ العَقْلُ الصَّحِيحُ وَالذَّوْقُ السَّلِيمُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ بِوَاسِطَةِ آلَةٍ، فَتَصِحُ وَتَفْسُدُ وَتَسْتَقِيمُ وَتُعْوَجُ، قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَلَا مَأْلُوفٍ فِي الزَّمَانِ المَاضِي فَإِنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَحُدُوثِهِ صَارَ مَأْلُوفًا عَادَةً مَعْلُومًا بِاسْتِمْرَارٍ
(?) وردت الإشارة إلى الحديث في كتاب الشهادة، وورد نصا في كتاب الجنائز، ونصه أن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بن كعب، إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يحتل أن يسمع من ابن صياد شيئاً، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي وهو مضطجع، يعني في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة، فرأت أم ابن صياد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتقي بجذوع النخل. فقالت لابن صياد يا صاف، وهو اسم ابن صياد، هذا محمد صلى الله عليه وسلم فثار ابن صياد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو تركته بَيَّنَ»، صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلَّى عليه، ح رقم (1355)، ص327. والشاهد فيه: «وهو يختل أن يسمع من ابن الصياد شيئًا».
(?) وردت الإشارة إلى الحديث في كتاب الشهادة، وورد نصَّا في كتاب الطلاق، ونصه: عن عروة بن الزبير، أن عائشة أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، كنتُ عند رفاعة فطلقني فأبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما مـ مثل هدبة الثوب، فقال رسول الله: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة! لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته». كتاب الشهادات باب شهادة المختبئ ح رقم (2639)، ص 641.
معه
66