الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم وتحليلها الحجي، عبد المجيد بن عفان بن زياد

الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٣٢

من خصائصها، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَا﴾ (البقرة: 143) فمع الحث على طلب الآخرة والمسارعة إليها لم تدعُ إلى إهمال الدنيا بكليتها وإنما دعت الأخذ بشيء منها حتى تستقر بذلك النفس وترتاح به الروح.

وقد بيّن تعالى أنه لا مانع من أخذ الزينة والتمتع بالطعام والشراب ولكن دون تجاوز الحدود الإعتدال،

فالله تعالى يقول: يَبَني ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ

*

الْمُسْرِفِينَ} (الأعراف: ??)، ومن حرص الإسلام على ترسيخ مبدأ الاعتدال في نفوس منتسبيه أنه

عاتب الذين حرموا زينة الله التي أخرجها لعباده، يقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ??).

وقد امتدح القرآن الكريم الذين جمعوا بين طلب الدنيا و طلب الآخرة، يقول عز وجل: وَمِنْهُم مَّن

يَقُولُ رَبَّنَاءَ اتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (البقرة: 201- 202)، وأثنى على خليله إبراهيم عليه السلام فقال: وَآتَيْنَهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ) (النحل: 122)، وفي عليه السلام: وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ (الأعراف: (156) والحسنة كما يقول ابن عاشور: "هي كل راحة في العيش من اطمئنان القلب بالدين، والصحة والسلامة وطول العمر وسعة الرزق الكافي وحسن الذكر بين الناس"

دعاء

موسي

(1)

ومما يشير إلى اهتمام القرآن بالدنيا هو أنه تعالى جعل الإنسان خليفة في الأرض قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة) (البقرة: (??)، وأمره بعمارتها والقيام بشؤونها فقال: {هُوَ

(1)

محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي المشهور بابن عاشور (ت): ????هـ)، التحرير والتنوير، الدار التونسية

للنشر، 1984هـ، ج 14، ص 317

31