الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم وتحليلها الحجي، عبد المجيد بن عفان بن زياد

الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٦٠

الدنيا الكفاف منها ينفع وفضولها يضر. " (1)، ويقول السعدي: "يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا ولمن قام بوراثته بعده تبعا اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور ويعرفوا ظاهرها وباطنها،

فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر" (2).

وقد أطنب الدكتور محمد الفياض في الانتصار لهذا القول وقال في بداية كلامه: "والذي يبدو لي أن الماء المقيد بما ذكر بعده هو الممثل به فالمثل مضروب للمتعالين من المشركين بأموالهم وأبنائهم على فقراء المسلمين والممثل أو المشبه ما افتخروا به من مال وبنين

(3)

ثم ذكر أن القرآن الكريم أراد بهذا المثل إثبات ما للمال والبنين من نفع ونفي ما قد يخيل لأصحابها من قدرتهم على اكتسابهما والاحتفاظ بهما، وكذلك نفي ما قد يخيل إليهم من أن ما نالوه منهما إنما نالوه لشرف فيهم أو فضل منهم، وقد أصاب أيما إصابه بتمثيلهما بالماء، فكما أنه ليس هناك من يشك في فائدة المال والبنين فكذلك ليس هناك من يشك في فائدة الماء العذب للنبات، فحياة النبات قائمة عليه.

وإن وهموا أن الانتفاع بهما دائم لا انقطاع له، فلينظروا كم يدوم نفع الماء للنبات المختلط به؟ فما من شك في أن يأتي يوم لا يستطيع فيه الماء أن ينفع النبات ولا النبات بمستطيع أن ينتفع بالماء.

منهم

وإذا ظنوا أنهم متمكون مما عندهم من مال وبنين وأنهم قادرون على الاحتفاظ به فقد خاب ظنهم فهذا النبات أكثر تمكنا مما أخذه من الماء المختلط به، إذ أخذه وأدخله في بنيته وتركيبه، ومع ذلك لم يستطع أن يحتفظ بما أخذه منه، وليفتشوا فيما أذرته الرياح من هشيم النبات فهل يجدون شيئا مما أخذ منه؟! وإذا تصوروا أنهم نالوا ما نالوه لشرف فيهم وفضل منهم وأن هذا الذي نالوه كساهم ما لم يكن لهم من الفضل والشرف فحري بهم أن يسخروا من أنفسهم وما صورته لهم، فهذا النبات نال أنفع مما نالوه من غير يزعم أحد أن له شيئا من مثل هذه المعاني، ولم يكسبه أخذه للماء شيئا منها.

أن

(1).

(1)

(2)

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 10، ص 412.

عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، (ت: 1376هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام، تح: عبد الرحمن بن معلا

، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1420هـ - 2000، ص 478.

اللويحق

(3)

محمد الفياض، الأمثال، ص295.

59