الأمثال المضروبة للدنيا في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٦٧المطلب الثاني: تحليل المثل.
قَالَ تَعَالَى: {أَعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَلَهُ مُصْفَرًا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانُ وَمَا الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد: ??)
المسألة الأولى ما سبب نزول هذا المثل وما هو زمن نزوله؟
اتصاله
لم أجد من يشير من المفسرين إلى سبب نزول هذا المثل ولا لمن ضرب، وأشار بعضهم إلى وجه بما سبقه من الآيات، قال البقاعي: "ولما ذكر سبحانه حال الفريقين: الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة لغيابها، قال منتجا مما مضى مبينا لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدرا له بما يوجب غاية اليقظة والحضور (اعلموا) … " (1)، وقال الرازي: "ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة" (2).
هذه
وذكر د. محمد الفياض أن المتأمل في السياق يجد أن هذا المثل ضرب للمؤمنين، والذين آمنوا منهم بعد الفتح خاصة وظلوا مشدودين إلى الدنيا، فعز عليهم أن يضعوا أموالهم في خدمة الدين، فجيء بالمثل ليفك وثاقهم لكيلا يحول حائل بينهم وبين الجهاد في سبيل الله، ثم أورد بعد ذلك سياق الآيات الدالة على ذلك، ثم قال بعدها: "فهذه الآيات الكريمة تشير بوضوح لا خفاء فيه إلى صحة ما انتهيت إليه فأكثرها حث على الإنفاق في سبيل الله، وهذا إنما يوجه أول ما يوجه إلى المؤمنين قبل غيرهم من الناس، ومن الآيات ما صرحت بإيمان هؤلاء والميثاق الذي أخذ منهم عليه، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الحديد (?)، كما أن من بينها ما أشارت صراحة إلى أنهم ممن كانوا قد آمنوا قبل الفتح، وقد أريد حثهم على الإنفاق في سبيل الله فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيَرَاثُ
(1)
إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي (ت: (885هـ)، نظم الدرر في تناسب والسور، دار الكتاب الإسلامي، (القاهرة- مصر)، نشر سنة 1404هـ - 1984م، ج 19، ص 286.
(2)
الرازي، التفسير الكبير، ج 29 ص 463.
66