الهجرة إلى الحبشة
الجزء ١ · صفحة ٣٠في ذلك أعوان الملك وحاشيته الذين اتفقوا معهم من قبل ويكونوا معهم في الرأي وذلك لكي يرد النجاشي إليهم هؤلاء المهاجرين فقالوا أيها الملك قومهم أعلم بما جاءوا به، فلما سمع النجاشي هذا الحوار غضب غضبا شديد، وقال: أناس نزلوا بلادي، وجاوروني، واختاروني، والله لا أتركهم حتى أسألهم عما يقول هؤلاء فيهم، فإن كانوا كما يقولون سلمتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ما يقولون أكرمتهم وأحسنت، جوارهم، فلما أحضر النجاشي المهاجرين ودعاهم إليه، اجتمعوا جميعهم إليه وقال لهم: ما تقولون للرجل إذا أتيتم إليه؟ قالوا: نقول ما أمرنا، وما علمنا إياه رسول الله، هذا وقد دعا النجاشي أساقفته، فما كان منهم إلا أن نشروا مصاحفهم حوله، فقال لهم: ما الذي دعاكم إلى ترك أوطانكم وقومكم؟ وما هذا الدين الذي تتمسكون به، وتركتم بلدكم من شأنه، ولم تدخلوا في ديني؟ فقام جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية، نأكل الميتة، ونعبد الأصنام، ولا نصل أرحمانا، ونقرب الفواحش، ونسيء إلى الجار حتى بعث إلينا رسولا منا نعرف أمانته وصدقه ونسبه، فدعانا إلى عبادة الله تعالى وتوحيده ولا نشرك به شيئا، ونترك ما كان عليها آباؤنا من عبادة الحجارة والأوثان، وأمرنا بالصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها من العبادات، فصدقناه وآمنا به وبما جاء به من عند الله، فما كان من قومنا إلا أن عذبونا وفتنونا عن ديننا، وأمرونا أن نعود إلى عبادة الأوثان، وأن نفعل المعاصي والفواحش التي ليست من ديننا بشيء، فلما رأينا كل هذا الظلم والجور خرجنا إلى بلادك، وأحببنا جوارك، وأنك لا يظلم عندك أحد، فلما سمع النجاشي كلامهم، وصدق حديثهم، قال: هل معكم شيء مما جاء به رسولكم من عند الله؟ قال جعفر: نعم، فقرأ عليه أوائل من سورة مريم كهيعص [مريم: ?] فبكى النجاشي، حتى ابتلت لحيته، وبكى أساقفته ثم قال النجاشي: هذا مثل الذي جاء به عيسى، فقال لهم: انطلقوا، والله لا أسلمهم
معه،
إليكم (1).
فلما خرجوا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا، فقال له عبدالله بن أبي
عيسي
ربيعة: لا نفعل؛ فإن لهم رحما، فقال له عمرو بن العاص: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن ابن مريم عبد، وفي الغد أتى إلى الملك وقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، فأرسل الملك إليهم يسألهم وقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم الملك عنه؟
(?) السهيلي، عبد الرحمن بن عبد الله
بن أحمد، الروض الأنف،. مرجع سابق، ص 152، 145
??