الخطاب القرآني للعقل الإنساني
الجزء ١ · صفحة ٣٤إلى الكوكب لوجدنا أن الكوكب أكبر من الإنسان، وأنه في ارتفاع لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه، بالإضافة إلى نوره في الليلة الظلماء، فهو بهذه الحال "أقرب من الأصنام إلى أن يكون ربا" (59).
ولكن سيدنا إبراهيم عليه السلام أراد أن يثبت لقومه أن هذا الكوكب ليس هو الرب، وبرهن لهم أن الكوكب أفل، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} (الأنعام / 76).
ونطرح هنا سؤالا آخر: لماذا سيدنا إبراهيم عليه السلام انتقل من القمر إلى الكوكب ولم يثبت لقومه بأنه الرب؟
وذلك لأمرين: الأول: أن الأسلوب المستخدم أسلوب حوار للتدرج في إقامة الحجة ومن حيث المنطق العقلي لو أن ملكا لدولة معينة ترك رعيته لمدة ليلة واحدة دون رقابة ورعاية ودون تدبير أمر هذه الدولة، فما الذي يحصل في البلاد؟ ستعج البلاد بالفوضى العارمة، والدمار والفساد العظيم فغياب الملك عن ملكه يورث الدمار، فمن باب أولى غياب الخالق عن خلقه يورث الهلاك.
والأمر الثاني: كما ذكر سيد قطب: "أنه لا يمكن للفطرة أن تُسَلِم بمثل هذه القضايا المنطقية لفروض جدلية، وإنما تسير به في جزم ويقين وأن قول سيدنا إبراهيم عليه السلام لا أحب الآفلين فيها بيان أن الصلة بين الفطرة وإلهها صلة حب، والآصرة هيه آصرة القلب، وفطرة سيدنا إبراهيم عليه السلام لا تحب الآفلين، ولا
تتخذ
منهم
إلها، إن الإلاه الذي تحب الفطرة لا يغيب
(60)
وبعدما أثبت سيدنا إبراهيم عليه السلام أن هذا الكوكب يستحيل أن يكون إلها، انتقل بهم لرؤية القمر، ويتجدد المشهد في رحلة أخرى ليثبت لهم أن هذه النفس يمكن أن تصل إلى بارئيها -سبحانه وتعالى-، بالتأمل في ملكوت خلقه سبحانه، وحصل كما في المشهد الأول مع الكوكب، رأى القمر بازغا، فقال: هذا ربي، ثم
(??)
سيد قطب، في ظلال القرآن، ج ?، ص 1140 (بتصرف). سيد قطب في ظلال القرآن، ج ?، ص 1140 (بتصرف).
(09)
(60)