الدعائم الأخلاقية في فقه الاختلاف
الجزء ١ · صفحة ٤٨المطلب الثاني: أنواع الحوار ودوره في الاختلاف
أولا: الحوار المحمود:
فإذا قصد المحاور بالحوار الدفاع عن الحق وبيانه أو الدعوة إليه ورد الباطل كان الحوار محمودا، وكان حواره من أعظم الطاعات في الدين وقال بجوازه جمهور العلماء، قال الرازي المفسر رحمه الله تعالى: "وأما جمهور المتكلمين فإنهم قالوا الجدال في الدين طاعة عظيمة، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل آية 125)، وبقوله تعالى حكاية عن الكفار أنهم قالوا لنوح عليه السلام: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ (هود آية (??) ومعلوم أنه ما كان ذلك الجدال إلا لتقرير أصول الدين"
110
ثم عمد السلف الصالح في الحوار إلى تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛ ففعله الصحابة رضي الله تعالى عنهم كابن عباس رضي الله عنهما لما جادل الخوارج والحرورية، ورجع خلق كثير إلى سبيل المؤمنين، وكعمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه؛ فإنه جادل الخوارج
منهم
أيضا ..
والحوار قد يكون فرض عين إذا تعين على شخص ما الدفاع عن الحق، وقد يكون فرض كفاية؛ بأن يكون في الأمة من يدافع عن الحق بالأسلوب السليم، قال ابن العربي رحمه الله تعالى: قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران آية (???) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين، وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال" 111.
110 - التفسير الكبير ج 5/ص143.
111 - القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ)
أحكام القرآن راجع أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه: محمد عبد القادر عطا (دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان)
ط3، 1424 هـ - ????م)، ج ?، ص ???.
48