تحقيق مخطوط طلقات المعهد الرياضي ص 66 إلى ص 98
الجزء ١ · صفحة ٣٦بالمعنى المعروف، ولكن معنى ذلك أن الكبرياء صفة من صفاته، وكذلك العظمة وكذلك قوله
تعالى: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليفر من أرضي وسمائي" (20).
والحقيقة أن الفرار يستحيل، وفيه عظيم التعجيز، وإذا ثبت العجز من البشر ثبتت القدرة للمليك المقتدر، وإذا ثبتت قدرة الله ثبت عجز المخلوق، وإذا ثبت عجز المخلوق برز كمال الله وأشرق جلاله، وتحقق اتصافه بالأوصاف التي لا تليق بغيره، فهو الكامل في ذاته وصفاته المحيط بكل شيء، ولا يخفى أن الله عز وعلا هو الأول والآخر والباطن والظاهر وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شي قدير، والفعال لما يشا، تساوى معه خلق الذرة والجبل والبحر والهياكل العظيمة، لا فرق عنده بين خلق السموات وما فيها والأرضين وما عليها، يعلم ما دق كما يعلم ما جل، وهو ولي كل شيء له الحكم وإليه ترجعون.
فكل ما يتصور في الأفهام، أو يتخيل في الأوهام، أو تختلج به النفوس، أو تتحرك له الرؤوس، فالله خالقه والله مالكه ومدبره ومقدره ومصوره كل شيء بيده فهو الذي قضى الأمور إجمالا، وأنفذها في الخارج، تفصيلا، ولم يخرج منها شيء عن سلطانه غير محتاج إلى شيء، ولا مفتقر إلى خلق من خلقه، ربّى الجنين في بطن أمه وأطعم الحوت في لجج البحر، ويسر له ما يعيش به، ولم يكل خلقا إلى خلق، ولم يستحقر ضعيفًا ولم يتعاظم بشيء مهما كانت صفته، سبحانه من بديع في ملكوته.
(20) وجدته بلفظ قريب: أبي هند الدَّارِي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " قال الله تعالى: من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي، فليلتمس ربَّاً سواي ". الطبراني، أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب. المعجم الكبير. تحقيق حمد بن عبد المجيد، ط ? (مكتبة ابن تيمية - القاهرة)، ج??، ص???.
??