تحقيق مخطوط طلقات المعهد الرياضي ص 33 إلى ص 65
الجزء ١ · صفحة ٥٦مركز المذهب الإباضي
لا يخفى أن مركز المذهب الإباضي كان بالبصرة حيث نبت بها وانتشأ فيها وتفرع منها وامتد إلى أرجاء العالم الإسلامي، فاتصل بعمان القريبة من البصرة بغاية السرعة، وهوت إليه من عمان أنجم نيرة وأعلام خيرة وأبطال تحب الإيمان، وتهافت إليه أهل الخير من كل جهة، وقامت له دعاة تدعو المسلمين إلى اتباعه والعمل بمقتضاه، تريد بذلك
الله
وجه عز وجل لا تخاف لومة لائم حتى رسخ في نفوس المؤمنين، وقر على دعائم الحق المبين كما امتدت له أركان إلى المغرب السامي بواسطة حملته الخمسة زملاء العمانيين الخمسة، فقامت له بالمغرب دول لها أهميتها ولها عظمتها برجال أبطال وأئمة إقبال عرفوا الحق فاتبعوه وعلموا الواجب فامتثلوه، ورأوا الظلمة جور وعتاة الأمة فقاوموهم، فكانوا في جبهة الدهر غرة مشرقة، وفى سماء الإيمان الأنجم الساطعة، صارعوا الباطل كلما ظهر، وناصروا الحق من أين أتى، لا يرجون على ذلك ثواباً إلا من الله، باعوا نفوسهم بأغلى الأثمان عند الله فوفقهم الله ومضوا إليه تحت ظلال السيوف، وعلى حصى الأرض تسيل دماؤهم وهي بعين الله والحور العين تصفق لها فرحاً بها، إذ كان أهلها رجال الله. وكذلك امتد المذهب إلى اليمن ونواحيها بحملة العلم من القدوة الصالح أبي عبيدة الرضى، وإلى خراسان فكان لرجالها الشأن بين تلك الأصقاع، وإلى مصر كنانة الله في أرضه، وإلى الجزيرة العربية والحرمين الشريفين برجال الإباضية الذين هم رحمة الله في أرضه، وحجته على عباده. ولا ضير فهم الأئمة المؤمنون وهم الهداة المخلصون الذين تحيا بهم الأرض وينبت بهم الزرع ويحفل بهم الضرع وتسعد لهم الحياة وتعتمر بهم البلاد، وتبتهج بهم العباد وتسكن إليهم النفوس، ولما رأت الدول التي تميل إلى الملك العضوض والسلطة القاهرة التي لا تزال أهميتها في الاستيلاء على الناس بالقهر والغلبة، عادت هذا المذهب وتألبت عليه وحاربته في كل أنحاء العالم الإسلامي، لأنه يخالف مبادئها ويصر على أن يكون عمرياً خالصاً وهى ترى أن تكون أموية أو هاشمية أو قيصرية أو كسروية، فكان ذلك هو الفارق بينها وبينه ولا شك أن النفوس غالباً تحب الترفه
والرياش الحسن.