تحقيق كتاب الكنوز الصمدية ص 31 إلى ص 59
الجزء ١ · صفحة ٦٨يمد رجليه في نادٍ لأنَّهُ قُدْوَةُ العالم مأخوذ عنه المكارِمُ والآدابُ العَليّةُ، يخيط ويفلي ثوبه ويخصفُ نَعْلَهُ ويرقع دلوه ويحلب شاته ويخدم نفسه وأهله ويُلَتي مَنْ دَعَاهُ، أُلْقِيَ عليه مع جمال البِشْرِ (1) جَلالُ (2) المهَابَةِ حتى كان يرتعد ويفرق لهيبته ذوو الجبروت (3) من مَلُوكِ الجاهلية (4)، لم يملأ منه جليس عَيْناً، ورُبّما ارتَعَدَتْ فرائص بعض مُشاهديه حتى كَرَبَ أنْ تزهَقَ روحه من شدة مهابته إياه، مجالسه مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب وحكمة وموعظة حَسَنةٍ توجب لجليسه الرحمة وقوّةَ الإيمان وأنوار اليقين وانفجار ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ورقةً في قلبه وزهداً في دنياه ورغبةً في أخراه.
لا يُثْبِتُ بَصَرَه في وجهِ أَحَدٍ لأنّه وُقرَ الجامعة الحيائية، أتقى الخلق لِلهِ وأشدّهم (5) خَشْيَةً وأَعْلَمُهُمْ باللهِ، يُصَلّي وفي جوفه أزِيزُ المرجل من الخشوع والخشية والبُكاءِ والوَجَليّة، شديدُ (6) النجدة ينغمس في وطيس الجلاد ويقاتل على بغلةٍ لا تَصْلُح لكرٍ ولا فَرّ ويستهدف للسيوف والأسِنَّةِ والرماة، كان أصْدَقَ الناس لهجةً وأجودَهُم كفا (7) يُنفِقُ إنفاقَ مَنْ لا يخاف من ذي العرش إقلالاً ولا إكداء (8) في العطية، حَتَّى حَتَّى اسْتَدَلَّ صَفْوانُ بنُ أميّة على نبوّته بما حَبَاه، أعطاه وادِياً تملُوءًا نَعَماً وإبلاً (9) فقال: "أشهدُ ما طابت بهذا إلا نَفْسُ نبي"، حيث بَهَرَتْهُ من جوده (10) الآية الكبرى السَنيَّة (11)، وأيقن أَنه سَخَاءِ نُبُوَّةٍ وَكَرَمُ رسول (12) لا تقاوم الدنيا خَرْدَلَةً في جنب مُنْتَحَاه، قُوْمَ ما رَدَّهُ لأهل أختِه الشيماء بخمسمائة ألف ألفٍ
(1) في أ: (البشر والطلاقة) بدلاً من: (جمال البشر)
(2) في أ: (عظم)
(3) في أ: زيادة: (وصناديد الكفر)
(4) في أ: (والملوك والجبابرة الجاهلية لجلالته وعظم مهابته بدلاً من: (من مَلُوكِ الجاهلية)
(5) في أ: زيادة: (له)
(6) في أ: (كان شديد)
(7) في أ: زيادة: (مَن سأله حاجَةً لم يَردَّه إلا بها أو بميسور من القول)
(8)
إِذَا أَعْطَى يَسِيرًا ثُمَّ قَطَعَ ابن فارس مقاييس اللغة، ج 5، ص 166، مادة: (كدي).
(9) في أ: (إبلاً ونَعَماً) بدلاً من: (نَعَماً وإبلاً)
(10) في أ: (هذا الجود) بدلاً من: (جوده)
(11) في أ: (الغالبة لكرم الإنسانية) بدلاً من: (السَنيَّة) (12) في أ: (لا تحمله إلا أخلاق نبوَّةٍ وَشَرفُ نفس)
61