تحقيق مخطوطة القول الفصل في شرح آية العدل ص 1 إلى ص 45
الجزء ١ · صفحة ٤١القول الفصل في شرح آية العدل للشيخ سالم بن حمود السيابي
41
والإنسان أدرك ما لا يدركه غيره أدرك أن اجتماعه بأبناء جنسه يضطره إلى هيئة تحميه ممن يعتدي عليه وتحمي أسرته وماله الخاص به؛ فلذلك أوجد القوة الحاكمة، فإنه لو فرضنا أن إنسانًا خلا بأرض وَدَّ أن يكون معه من يأنس به في وحدته ويعلم أنه ربما يوما من الأيام يختلفان في شيء ما، فمن هو الذي يقول هنا لكل واحد من هذين الشخصين: هذا لك وهذا لأخيك. فإن كل واحد منهما يرى أنه الأحق أن يكون مقدما في ذلك الشيء، فإذا وُجد من يقول ذلك لزم أن تكون له سلطة لها حجتها، فإذا طلب الخصوم بيان الحجة لم يقنعه الرجوع إلى العقل غالبًا، بل يقنعه أن يكون شيئًا آخر من غيرهما جنا وحسا وإلا لم يقتنع أحدهما بغير ذلك. وليس تحكيم العقل كافيًا لحل المشكلة المشار إليها فإذا جاء عن طريق الوحي أقنع الأطراف وارتفع الشقاق والخلاف، وإنما العقل في هذا المقام كالتراب يصلح للتيمم ولا يصلح للشراب فتضيع الحياة عند التعويل عليه/7/.
وأنت خبير أيضا أنه وإن كان العقل حجة في تمييز الأشياء لم يكن حجة في أن زيدًا أحق بكذا من عمرو؛ إذ لا يملك العقل من هذا شيئًا وإن عظم شأنه وعلا مكانه. وبهذا يظهر لك أن العدل يظهر من مظاهر الشرع لا من مظاهر العقل والقرآن لم تفلت منه ذرة لم يكن أحاط بها بل أحاط بما خص وعم. وأنت تعلم أن الله أوحى إلى النحل، أي: ألهمها مصالحها في حد ذاتها لا في شؤون غيرها، وكذلك بقية وحيه تعالى - إلى بعض خلقه، ومحل حديثنا في العدل بين الخصوم.
أما ما يقوله الفلاسفة والمحكّمون للعقول من أن العدل لا يتم إلا بنفس المساواة بين الأجناس. فإن هذا ليس من العدل الذي أراده الله على العموم، وإن الرجوع فيه إلى العقل ضلال، فإنه يقضي بأن الأرزاق في هذه الحياة واحدة، وأن المناهج والمقاصد كذلك، ولو كان العدل لم يقم العالم عاما واحدا بل سرعان ما ينهار، فإن الله -عز وجل- خلق الخلق على صفات شتى منهم العاقل ومنهم الأحمق والمجنون والكريم والبخيل وفيهم الضعيف جسما
هذا
هو