توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٤٠في المقتر عليه ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا (?)، فليست التوسعة على أحد دليلًا على كماله فسيتكبر أو يكون من العالين!
ولا يفهم مما تقدم أن ليس لسعي الإنسان دخل في تحصيل رزقه وزيادة موارده؛ فقد تولى الله الذي رَزَقَ بيان سُنته في ذلك فقال: هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُم الْأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور [الملك: (15)]، "فالطريق إلى تحصيل الرزق – كما تقرر في الآية الكريمة – هو المشي والضرب في مناكب الأرض وجنباتها، جبالها ووديانها، بحارها وأنهارها، ظاهرها وباطنها، وسائر أرجائها، من أجل تحصيل الرزق - الذي تكفل الله تعالى به وبسَطَه أو قبضه بناء على اعتبارات موضوعية تتعلق بسلوك الإنسان وسعيه- واكتشاف السنن التي تنقاد بها الماديّات في هذا الكون ثم استخدامها.
إن سنة الله تعالى في تحصيل الرزق أن يمارس عباده الأعمال المفضية إلى إيجاد السلع والخدمات التي تلبي الحاجات، وبقدر استجابتهم لهذه السنة بقدر ما تتسع أرزاقهم وتفيض الخيرات بين أيديهم، وإذا لم يستجيبوا لهذه السنة نقصت الأرزاق، ولم يجدوا من السلع والخدمات ما يشبع كل حاجاتهم وعليه يكون لحجم الدخل وحجم الثروة علاقة طردية مع حجم العمل واتخاذ الأسباب واستخدام سنن الله تعالى التي تنقاد عليها غلة أرضه، ولا علاقة لذلك برضى الله تعالى وسخطه، وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُم عِندَنَا زُلْفَى (سبا: ??]، فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَنَهُ رَبَّهُ، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَمَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْتَلَنَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّي أَهَنَنِ كَلَّا} [الفجر: (15) - (17)] ((2)).
(?) يُنظر: الألوسي، محمود بن عبد الله الحسيني (????هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط (1)، (1415) هـ، ج (13) /ص??. وقد صدق الله العظيم فإن هذا اللغز قد أرهق عقول الخلق عبر العصور، وأوقعهم في ويلات لا يكاد يخلو منها عصر حتى عصرنا الحالي، فقد حسب الرأسماليون أن ثراءهم الذي هو من حسن حظهم يخوّلهم الاستبداد والجشع والإغراق في الملذات بحرية مطلقة ودون رقيب ولا حسيب، فلم يزد العالم حرصهم على ثرواتهم إلا أسوأ الويلات والحروب، حتى قامت الثورات الشيوعية في مختلف بقاع العالم مناهضة لأولئك الجشعين، إلا أن هؤلاء قد ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فقد ظنوا أن أساس مشكلات الناس هو مجرد التفاضل في أرزاقهم فأقبلوا على ثروات الناس واستلبوها ووزعوها على أهوائهم غير أنهم لم يستطيعوا أن
يصمدوا طويلًا أمام جيوش الفطرة حتى اضمحلت دولتهم وأصبحوا جزءا من التاريخ الغابر.
((2)) يوسف، يوسف إبراهيم، السنن الإلهية في الميدان الاقتصادي، دد، دم، دت، ص???.
??