توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٤٢

وإن لم يكن الحال كذلك فلن يوف العبد بحق مولاه من العبادة، وحينئذٍ يتخذ مصدر هذه الموارد قرارًا بحرمان هذا العبد منها، إلا أن هذا الحرمان لا يكون بين عشية وضحاها لكنه يرتبط بعلاقة عكسية مع الخضوع للمولى، فيزداد بتناقص الخضوع ويتناقص بزيادته، حتى إذا ما اضمحل الخضوع وبلغ الاستكبار أوجه حاق بأولئك القوم الحرمان التام؛ فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا. وعليه يتبين أن لهذا الحرمان مراحل يتطور فيها تبعًا لحال الناس مع الخضوع لمولاهم الله، فقد يرسل المولى و إنذارات بإعدام شيء من الموارد دون استئصالها وأصحابها تماما ابتلاء، فتحملهم الشدة حملًا على الخضوع، ثم إن أصر القوم على استكبارهم وتعاليهم عن الخضوع لمولاهم بعد أن كشف عنهم الضر فسوف يفتح عليهم أبواب كل شيء يبتغونه، فيفرحوا بذلك ويخالوا أنهم في غنى عن المصدر الحقيقي لما بين أيديهم من موارد، فيزداد عتوّهم واستكبارهم إلى أن يستأصلهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون: لا وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَ هُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَائِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ

سعيهم

((44)

رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: (42) - (45)]، والقرآن مليء بمثل هذه الآيات التي تكشف هذا الحقيقة بجلاء (?). فلا تعارض إذا في المفهوم الإسلامي بين وجود الموارد في متناول المستكبرين وحرمانهم منها؛ لأنهم إنما يحرمون الاستفادة المطلوبة منها في سداد حاجاتهم الحقيقية، ولا يرون أثرًا لسعيهم الحثيث في سبيل جمعها وتكديسها، ولن يكون هذا إلا مقدمة حتمية لزوال مواردهم وإفنائهم من الوجود عاجلا أم آجلا، وهذه الحقيقة التي تحل لغز سعادة كثير من الفقراء قلة ما في أيديهم وتعاسة كثير من الأغنياء مع استبدادهم بالموارد، كما أن هذه الحقيقة هي التي تبرهن لمَ لا يكف المستكبر عن اللهث وراء جمع المال وجعله الهدف في الحياة الذي يستميت من أجله ظانًا أن المال هو السبيل الحقيق بإيصاله إلى الموارد ومن ثم النجاح في مهمة التوفية بحاجات نفسه يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخَلَدَهُم الهمزة: 3]، وفي المقابل فإن هذه الحقيقة

هي

مع

(?) وقد ذهب ابن خلدون إلى أن هذا هو معنى قوله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرَنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تدميرا [الإسراء: (16)]، يقول: "ووجهه حينئذ إنّ مكاسبهم حينئذ لا تفي بحاجاتهم لكثرة العوائد ومطالبة النفس بها فلا تستقيم أحوالهم، وإذا فسدت أحوال الأشخاص واحدا واحدا اختل نظام المدينة وخربت". ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (???هـ)، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، دار الفكر، بيروت، ط (2)، (1408) هـ (1988)

م. ج (1) ص (467).