توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٤٣

هي التي تكشف السبب وراء هوان المال في نفس المؤمن وإيقانه أن الضمان الحقيقي للموارد إنما يكون في الخضوع لمالكها.

وقد صوّر الكتاب المبين هذا الأمر تصويرا دقيقًا شأنه أن يوضح الفرق بين الحالة الشعورية لكلا من الفريقين، فقال: كَلَّا إِنَّهَا لَطَى نَزَاعَةَ لِلشَّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى * إِنَّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا © إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَابِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِسَابِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونِ (5) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاة ذَلِكَ فَأُولَبِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَنتِهِم وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَدَتِهِمْ قَابِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَيْكَ فِي جَنَّتِ مُكَرَمُونَ} [المعارج: (15) - (35)].

وحسبنا تحرير الطاهر ابن عاشور تبيانًا لموضع الاستدلال بهذه الآيات البينات، إذ يقول في تفسيره لقوله تعالى إنَّ الإِنسَكنَ خُلِقَ هَلُوعًا: " وهَلُوع: فعول مثال مبالغة للاتصاف بالهلع، والهلع لفظ غامض من غوامض اللغة قد تساءل العلماء عنه، والذي استخلصته من تتبع استعمالات كلمة (الهلع) أن الهلع (قلة إمساك النفس عند اعتراء ما يحزنها أو ما يسرها أو عند توقع ذلك والإشفاق منه، وأما الجزع [ضد الصبر] فمن آثار الهلع، وقد فسر بعض أهل اللغة الهلع بالشره، وبعضهم بالضَّجَر، وبعضهم بالشح، وبعضهم بالجوع، وبعضهم بالجبن عند اللقاء، وما ذكرناه في ضبطه يجمع هذه المعاني ويريك أنها آثار لصفة الهلع. ومعنى خُلِقَ هَلُوعًا: أن الهلع طبيعة كامنة فيه مع خلقه تظهر عند ابتداء شعوره بالنافع والضار، فهو من طباعه المخلوقة كغيرها من طباعه البشرية، وقد تكون للشيء الحالة وضدها باختلاف الأزمان والدواعي، وبذلك يستقيم تعلق النهي عن حال مع تحققِ تمكن ضدّها من المنهي لأن عليه أن يروض نفسه على مقاومة

النقائص وإزالتها عنه.

وإذ ذكر الله الهلع هنا عَقِبَ مذمّة الجمعِ والإيعاء، فقد أشعر بأن الإنسان يستطيع أن يكفَّ عن هلعه إذا تدبر في العواقب فيكون في قوله: خُلِقَ هَلُوعًا) كناية بالخلق عن تمكن ذلك الخلق منه وغلبته على نفسه، والمعنى: أن من مقتضى تركيب الإدراك البشري أن يحدث فيه الهلع، بيان ذلك أن تركيب المدارك البشرية ركز بحكمة دقيقة تجعلها قادرةً على الفعل والكفّ، وساعيةً إلى المُلائم ومعرضةً عن المُنافِر، ثم جعل له إدراكا يميّز الفرق بين آثار الموجوداتِ وآثارِ أفعالها بين النافع منها والضارّ والذي لا نفع فيه ولا ضُرّ، وخلق فيه إلهاما يحبُّ النافع ويكره الضار، غير أن اختلاط الوصفين في بعض الأفعال وبعض الذوات قد يريه الحال النافع منها ولا يريه الحال الضار فيبتغي ما يظنه نافعًا غير شاعرٍ بما في مطاويه من أضرار في العاجل والآجل،

(34)