توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٤٤معنييه
أو شاعرًا بذلك ولكن شغفه بحصول النفع العاجل يرجّح عنده تناوله الآن لعدم صبره على تركه مقدرًا معاذير أو حِيلًا يقتحم بها ما فيه من ضر آجل. فحدثت من هذا التركيب والبديع صلاحية للوفاء بالتدبير الصالح المنوط بعهدة الإنسان، وصلاحية لإفساد ذلك أو بعثرته، غير أن الله جعل للإنسان عقلا وحكمة إن هو أحسن استعمالهما نَخلت صفاته، وثقفت من قَناتِه، ولم يُخلِه من دعاة إلى الخير يصفون له كيف يُريضُ جامحَ نفسه، وكيف يوفق بين إدراكه وحسّه، وهؤلاء هم الرسل والأنبياء والحكماء والهلع صفة غير محمودة، فوصف الإنسان هنا بها لوم عليه في تقصيره عن التخلق بدفع آثارها، ولذلك ذيل به قوله: (وَجَمَعَ فَأَوعى على كلا ه (?). وهو كلام غني بنفسه عن التعليق، وقد اقتبسته على طوله لنفاسته ودقته في محل البحث، إلا أن سياق الآيات ينبئ عن السبب الرئيس وراء هذه الحالة الشعورية المتباينة التي تنتاب كلا الفريقين فتجعل المستكبر هَلُوعًا لا تسكن له نفس في حال السعة أو الضيق، وتجعل المؤمن في هناء متواصل مهما تعاقبت عليه الظروف والأحوال، كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (?)، فإن السبب الكامن وراء هذه النتيجة العجيبة هو الإيقان بالمصير والإدراك بحقيقة المآل والمستقبل، ذلك المآل الذي ليس فيه إلا وفاء تام بجميع الحاجات أو حرمان مطلق منها، فإما إلى جنةٍ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا} [الفرقان: (16)]، وإما إلى نار لبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدَا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمَا وَعَسَاقَا} [النبأ: (23) - (25)]، فمن ثم لا عجب أن يُرى المؤمنون والصلاة هي شغلهم الشاغل الذي يداومون عليه ولا يفرطون فيه أبدًا مهما كان الثمن غاليًا، ولا عجب أن تراهم يجعلون الفقير شريكا له نصيب معلوم محفوظ في أموالهم وهو لم يسع في الكدح من أجل تحصيلها وحفظها، لا أن يصدر كل ذلك وأكثر ممن هو موقن بالطريق الوحيد لضمان الموارد مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ
عجب
(17)
((134)
الله ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: (134)].
الخلاصة أن الآيات القرآنية سعت سعيًا حثيئًا للتعريف بحقيقة الحاجة بهذه المراحل الثلاث، حيث بينت أن هذه الموارد مملوكة لله و الذي أصدرها والذي جعلها خالصة لعباده المؤمنين المخبتين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهو وإن أمدَّ بها المستكبرين وأبقاها في متناولهم فلن يكون بقاؤها ذا قيمة تخوّلها لتكفَّ حاجتهم والألم الذي ينخر في أنفسهم وهم لا يجدون لدفعه سبيلا؛ لأنه لا الله هو الذي ركب في هذه الموارد
(?) يُنظر: ابن عاشور التحرير والتنوير، ج (167) / (29) – (169).
((2)) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، (رقم: (64)).
??