توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٤٦

وقد يسأل سائل الآن: لِمَ كل هذه العناية القرآنية بتعيين حقيقة الحاجة؟ وما علاقة ذلك بالاستهلاك ومكانته؟ أقول: إن الله تعالى غرز في كل إنسان حاجة تدفعه وتلح عليه إلحاحًا ليشبعها وإلا هلك، وجعل هذا الإلحاح يظهر في صورة مؤشرات بارزة كالجوع والعطش والشبق، ومن ثم فلا يهنأ للإنسان بال ولا يقر له قرار إلا بعد أن يوفي حاجته حقها، ثم أنزل له الوحي ليكون الدليل الوحيد الهادي لإشباع هذه الحاجة، وها هنا الابتلاء، فمن آمن وصدق بهذا الوحي فسيتجرّد من كل النوازع ويسلم نفسه لربه سالكا هدي ربه ليصل إلى الوفاء التام بهذه الحاجة في دنياه وأخراه، ومن جحد وكذب بهذا الوحي فسيستكبر عن الخضوع للهدي الرباني مغتراً بنفسه وقد زيّن له الشيطان أنه سيصل إلى إشباع حاجته لو سلك طريقًا غير الطريق الذي أناره الوحي له ليتولى الله وعل أمر إهلاكه في الدنيا والآخرة. من هنا يظهر لك جليًّا أن السلوك الاستهلاكي إنما هو التعبير الخارجي عن الإيمان القلبي؛ لذلك يقول

إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ جَنَّتِ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَر وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَى لَّهُمْ وَكَأَيْن مَن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةَ مِّن قَرَيَتِكَ الَّتى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةِ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنَّهَرُ مِن مَاءٍ غَيْرِ آنِ وَأَنْهَرُ مِن لَّبَنِ لَّمْ يَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مَنْ خَمْرِ لَذَةِ لِلشَّرِينَ وَأَنْهَرُ مَنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَلِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَيمَا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [عمد: (12) - (15)].

هو

(10)

وبعد أن تدرك هذا ستفطن إلى السبب الكامن وراء غزارة عناية الإسلام بأمر الاستهلاك؛ لأن توجيهه الغاية التي جاء من أجلها دين الهداية هذا.

لا أظن أنك تشك فيما أقول، لكن انتقل للمطلب الآتي ليطمئن قلبك إن شاء الله تعالى.

??