توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٤٧المطلب الثاني: موجهات الاستهلاك في الاقتصاد الإسلامي:
إن قراءة متدبرة لآيات الكتاب العزيز تكشف عن العناية البالغة بتشييد صورة متكاملة للعملية الاستهلاكية بعد أن رسخ في النفوس غايتها المتمثلة في الوفاء بالحاجة كما هي في التصور الاقتصادي
الإسلامي.
ولما كانت غاية هذا الكتاب هداية بني البشر فقد عمدت الآيات البينات إلى بناء تلك الصورة في ثلاث موجهات متكاملة متناسقة، تحرّت بحكمة بالغة دوافع الاستجابة للعقل والقلب على حد سواء، كل ذلك لإقامة الحجة على الناس ولتغدو العملية الاستهلاكية مظهرًا حضاريا رائقًا يرقى بالإنسان من البهيمية إلى المدنية التي يتمتع في ظلها كل فرد – دون استثناء – بحقوقه التي بها كرمه الله خالق الوجود، وقد اهتديتُ إلى إيضاح هذه الموجهات على هذا النحو:
أولا: موجهات تشريعية.
ثانيًا: موجهات جزائية.
ثالثًا: موجهات اعتبارية.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أولا:
وجهات التشـ
ريعية
لقد حفلت النصوص القرآنية والنبوية بتشريعات عالجت الاستهلاك على المستوى النوعي والكمي والاجتماعي، ونتج عن هذا التركيز تشكيل صورتين متناقضتين للاستهلاك وفقًا للاستجابة لتلك التشريعات والضوابط، بيان ذلك أنه لما كان الاستهلاك عمليةً مباشرة تُوفّى الحاجات بها؛ فمن المنطقي أن تكون النظرة الإسلامية للاستهلاك متوائمةً مع نظرته للحاجة كما تقدم.
وبعد العلم بأن الحاجة الحقيقية لن تُسدَّ إلا بالافتقار إلى تحقيق مرضاة الله الله فلا يخلو من أن يكون الاستهلاك متصفا بواحد من اثنين: فإما أن يكون استهلاك شكر وهو الذي ينجح فيه العبد في إظهار فقره لرب العالمين ومن ثم توفّى حاجته، وإما أن يكون استهلاك كفر يستعلي العبد فيه عن الافتقار إلى ربه سبحانه فلا يهنأ له حال ولا توفّى له حاجة دنيا، وأخرى، أي أن استهلاك الشكر هو نتيجة حتمية للإسلام والخضوع
لتكاليف خالق الموارد واستهلاك الكفر هو نتيجة حتمية للاستكبار. أداء عن شيء من تكاليفه وكل. وقبل التدليل لهذا التقديم يجدر التنبيه إلى أن المقصود بنسبة الاستهلاك إلى الشكر هو أن يكون السلوك الاستهلاكي مطابقًا لمقتضيات مرضاة الله تعالى واستهلاك الكفر على النقيض من ذلك تماما؛ لأن استعمال كل شيء في تحقيق الحكمة المطلوبة منه وهي موافقة مقاصد الشريعة
الشكر إنما هو
??