توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٥٢ومن
موسي
مي
الاستدلال التاريخي: فقد وردت آيات كثيرة تشير إلى الجزاء الذي استحقته الأمم السابقة كان نتيجة لمنهجهم الاستهلاكي، إن شكرًا فزيادة وبركة وإن كفرًا فمحق وحرمان، بل إن ربنا و قد أكد في غير ما موضع من كتابه أن مجازاته للأقوام التي خلت نظير منهجهم الاستهلاكي سنة ماضية ليس من شأنها أن تتغير أبدًا فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: (43)]، وقد تظافرت الأساليب القرآنية وتنوعت لتقرير هذه الحقيقة وإعطاء الصورة المتكاملة عنها، يتصدر ذلك الإعلان الرباني على لسان سيدنا العليا إذ قال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَبِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7]، ففي الآية شرط مؤكد بالقسم (?) يقرر أن سنته الله تقتضي أن استهلاك الشكر موصل لا محالة إلى الزيادة في الموارد واستهلاك الكفر مفضِ بلا ريب إلى العذاب الشديد، وكلا الجزاءين محتمل الحصول في الدنيا والآخرة (?)، ومجيء السُّنَّة على هذا النحو - أسلوب القضية الشرطية الذي يربط فيه بين الشرط وجزائه - هو توجيه من الله تعالى للإنسان في سلوكه، وتبصير له بالطريق الصحيح في الوصول إلى غاياته، ورحمة من الله تعالى بخلقه أن هداهم إلى المقدمات المطلوبة للحصول على الغايات والنتائج المرجوة، أو المطلوبة لتوفّي الوقوع في النتائج غير المرغوبة" (?).
لها.
من
11
ولا يخفى على قرّاء القرآن أن هذا الكتاب الكريم قد اهتم أيَّما اهتمام بذكر أنباء الأقوام السابقين لما تأثير كبير على النفس وتقويم ملحوظ لسلوك من يعتبر بفعل الله في أولئك الذين خلوا من قبل؛ لذلك فكثيرا ما يدعو الله كل القلوب والعقول إلى التفكر في الأمم الغابرة والمصير الذي آلت إليه أمورهم، مقررًا بذلك أن إرادته سبحانه نافذة في خلقه وأن سنته قائمة في أرضه ما كان ليلحقها أي تغيير وتبديل على مر العصور، من هذه الدعوات قوله تعالى: قد خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِبِينَ * هَذَا بَيَانُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ??? - ???]، قُل سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ أَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: (11)]، وقوله: ﴿قُل سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: (69)] بل إنه تعالى لينعى على أولئك الذي لا يعتبرون بمصير من سبقهم فقال: فَكَأَيَّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيثْرٍ مُعَطَّلَة وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانُ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: (45) - (46)]، وفي هذا المقام تلوح
(?) يُنظر: أبو زهرة محمد بن أحمد ((1394) هـ)، زهرة التفاسير، دار الفكر العربي، دم دط، دت، ج? ص (3994).
((2)) يُنظر: أبو حيان، محمد بن يوسف ((745) هـ)، البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، دط، (1420) هـ، ج (6) / ص (411). (?) يوسف، السنن الإلهية في الميدان الاقتصادي، ص??? – ???.
(43)