توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٥٣

التصريحات بأن السلوك الاستهلاكي لأولئك كان هو المعيار الذي استحقوا به جزاءهم، قال الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرَيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَخَقَ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا) [الإسراء: (16)]، قال أبو حيان: "لما ذكر تعالى أنه لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولا (?) بيَّن بعد ذلك علة إهلاكهم وهي مخالفة أمر الرسول لله والتمادي على الفساد (?)، والمعنى أن بعثة الرسول تتضمن أمرًا بشرع وأن سبب إهلاك المرسل إليهم بعد أن يبعث إليهم الرسول هو عدم امتثالهم لما يأمرهم الله به على لسان ذلك الرسول، ومعنى إرادة الله إهلاك قرية التَّعلُّقُ التنجيزي لإرادته، وتلك الإرادة تتوجه إلى المراد عند حصول أسبابه وهي المشار إليها بقوله: أَمَرْنَا مُترفيها إلى آخره، وتعليق الأمر بخصوص المترفين مع أن الرسل يخاطبون جميع الناس؛ لأن عصيانهم الأمر الموجة إليهم هو سبب فسقهم وفسق بقية قومهم إذ هم قادة العامة وزعماء الكفر فالخطاب في الأكثر يتوجه إليهم، فإذا فسقوا عن الأمر اتبعهم الدَّهماءُ فعمَّ الفسق أو غلب على القرية فاستحقت وهنا تتقرر حقيقة أن الترف هو الوجه التطبيقي لاستهلاك الكفر، والمترف هو العاتي المستكبر عن قبول الحق والإذعان له أو هو الذي أترفته النعمة أي أبطرته وأطغته ((4))، وطالما أهلكت قرى ببطر مترفيها وطغيانهم، قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: (58)]، غير أن الله ل لم يكن ليعمم حكم الهلاك على عباده الذين يرون من لازم شكر نعمة ربهم عليهم أن يسخروا جهودهم لمنع أي مظهر من مظاهر استهلاك الكفر فلولا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أَوْلُوا بَقِيَّةِ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمِ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: (116) - (117)]، وهكذا يكرر القرآن الكريم لفت النظر إلى جزاء الأقوام الناتج عن سلوكهم الاستهلاكي، فإن كان شكرًا فإنعام وإمداد وإن كان كفرًا فحرمان وإهلاك.

الهلاك (?)

???

هذا، ثم عقلت الآيات الجزاء الأخروي لكلا الفريقين على سلوكهم الاستهلاكي كذلك، إذ إنه لا جزاء ينتظر الشاكرين في أخراهم إلا جزيل الثواب، ولا شيء ينتظر الكافرين في عُقباهم إلا شديد العقاب: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ

(?) يشير إلى الآية التي قبلها: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ

حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: (15)].

((2)) أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، ج (7) /ص (24).

(?) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج (15) /ص (55).

((4)) يُنظر للأقوال في معاني الترف: الألوسي، روح المعاني، ج (14) ص (144).

(44)