توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٥٤

وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لَيُضِلُّوا عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (إبراهيم: (28) - (30)]،

ويقول: (وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ فِي سَمُومِ وَحَمِيمِ * وَظِلَّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِد وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ) [الواقعة: (41) - (46)]، وهذه هي النكتة الكبرى أو النكاية الكبرى، أن جزاءهم كان على عكس ما كانوا عليه في الدنيا، وكأن الله تعالى يقول لهم: لن تحصلوا على نعيمين: نعيم في الدنيا ونعيم في الآخرة، لقد أسرفتم على أنفسكم وفي الدنيا وتمتعتم بها، وأطلقتم العنان فيها لشهواتكم، فانظروا كيف أنتم اليوم؟ وكيف صار حالكم؟ إنكم فِي سَمُوم وَحَمِيمِ وَظِلَّ مِّن يَحْمُومٍ لَّا بَارِد (?)، فهل يتصوّر من عاقل يسمع الأوامر ويوقن بالثواب العظيم مقابل امتثالها والعقاب

وَلَا كَرِيمٍ الأليم إثر انتهاكها ثم لا يسعى أن يكون استهلاكه يوصله إلى بر الأمان في دنياه وأُخراه؟!

ثالثا:

وجهات الاعتبـ

ارية

لم يقف القرآن الكريم في رعايته لقضية السلوك الاستهلاكي عند مجرَّد سن التشريعات وبيان عاقبة الاستجابة لها، بل إنه تعدّى كل ذلك إلى أن بثَّ في ثنايا آياته تفاصيل متعلقة بحياة الأقوام الذين خلوا قبل وأردفها بالإفصاح عن مصيرهم الذي استحالوا إليه، لتكون تلك القصص نماذج يستبصر بها المسلم في استهلاكه خشية أن يحيق به ما حاق بأولئك.

ويأتي هذا الأسلوب القرآني الفريد في إطار سعيه الحثيث لمدّ حبل النجاة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وانتشالها من الضلال إلى الهدى الذي به يكون الفلاح في الحال والمآل؛ لذا فقد نص على هذا المقصد إذ قال: لقد كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: ???]، والمتأمل للآية يدرك أن الوصول إلى هذا المقصد المنشود المتمثل في (العبرة (التاريخية له، شروط أولها وأهمها: جودة القائم بالكشف عن مَصْدَرِ هذه العبرة، أي جودة آلة التفكير من العقل الأولِي الْأَلْبَبِ، فليس كل أحدٍ قادرًا على اكتشاف العبرة التاريخية، والثاني: أن الوصول إلى تلك العبرة يجب أن يصل إلى حدّ الحقيقة لا مجرد الخرص والظنّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى، والثالث: اليقين بأنها قصص تحري وفق السنن التي وضعها الله تعالى في الكون والحياة وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، والرابع: إدراك أن العبرة التاريخية واضحة جليّة تضيء للناس طريقهم حتى يعرفوا إلى أين هم صائرون، وفي أي اتجاه يخوضون وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، والخامس: اتخاذ سبيل الإيمان؛ فهذه هداية

(?) يُنظر: بيوض، إبراهيم بن عمر، في رحاب القرآن، تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، جمعية التراث، غرداية – الجزائر، ط 1، (1434) هـ / (2013) م، ج ?? ص ??? - ???.

(45)