توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٥٦

من أولئك قوم هود العل، إذ كانت منازلهم أخصب بلاد الله وأعمرها فجعلها الله بعد إهلاكهم مفازات ورمالا، وما ذاك إلا لسلوكهم استهلاك الكفر والطغيان؛ فقد كانوا يبنون على المرتفعات أعلاما تدل على الطرق مع أنهم لا يحتاجون إليها بل بنوا للفخر، وإن احتاجوا فقد زادوا على الحاجة (?) وقد أنكر عليهم هود عليه السلام إسرافهم وترفهم قائلاً: (أَتَبْنُونَ بِكُلِ رِيعِ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَابِعَ لَعَلَّكُمْ تَخَلُدُونَ وَإِذَا بَطَهُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: (128) – (131)]، وقد وضح لهم عاقبة المستكبرين عن شكر المنعم وَاتَّقُوا الَّذِى أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَامِ وَبَنِينَ وَجَنَّتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم [الشعراء: (132) - (135)]، كما وضح لهم عاقبة الخاضعين له وَيَقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوا مُجْرِمِينَ} [مود: (52)]، فلم يستجيبوا له حتى أهكلهم الله يريح صَرْصَرِ عَانِيةٍ) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقِيَة [الحاقة: (6) - (8)]. ومن أولئك المستكبرين ثمود، إذ أنكر عليهم صالح الاستكبارهم واستهلاكهم الترفي أَنتُرَكُونَ في مَا هَهُنَا آمِنِينَ {فِي جَنَّتٍ وَعُيُونِ وَزُرُوعٍ وَنَخَلِ طَلْعُهَا هَضِيمُ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمَرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [الشعراء: (146) - (1152) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ) [الذاريات: (44) - (45)]. وهكذا تمضي سنّة الله في أرضه حاصدةً كل من يستكبر عن الخضوع لربه ويبدل نعمة الله كفرًا، والمتأمل لقصص الأقوام الذين تلوا ثمود يجدها مصدقةً لما جاء في الكتاب العزيز من أن سنته سبحانه لا تتبدل أبدا، فثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وقوم موسى وأهل سبأ وأصحاب الجنتين في سورة الكهف وأصحاب الجنة في سورة القلم وغيرهم ممن تفضّل الله عليهم بأن مكنهم في الأرض وجعل لهم فيها معايش، ولما غمرهم الرحمن بإحسانه أنساهم ذلك ذكره وشكره، حتى أترفوا فكذبوا رُسَل ربهم وآذوهم، غير عابئين بربهم ولا معتبرين بنبإ من كان قبلهم، حتى إذا ما بلغ استكبارهم أوجه أخذهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةِ مِن نَبِي إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَرَّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَاهُ وَالسَّرَاءُ فَأَخَذْنَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا

92

(?) اطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، وزارة التراث والثقافة سلطنة عمان، ط (2)، (1439) هـ / (2018) م، ج (284) / (8).

(47)