توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٧١

غير متوازن بأن كانت النسبة بين سعر سلعة ما وسعرها أكبر من غيرها من النسب لتغير في دخله أو في سعر أي سلعة، إذا وجد نفسه كذلك فإنه لن يستطيع إلا أن ينتقل من حالة اختلال التوازن إلى حالة اختلال أخرى، وما ذلك إلا لعدم قياس منفعة السلعة غير القابلة للتجزئة، فمن الصعب أن تطلب من بائع الفاكهة أن يبيعك تفاحة أصغر قليلا أو برتقالة واحدة بدلا من كيس برتقال كامل، وأن يخفض لك السعر بهذا القدر لمجرد أن هذا هو ما تشتهيه بالتحديد؛ لذلك فإنهم تخلصوا من ذلك في نظرية الطلب الحديثة (تحليل السواء) التي أبدلت فيها فكرة الاختيار بين المنافع المقيسة كميَّا إلى فكرة التفضيل بين حزم السلع التي يرغب بها ضمنيًّا استبعاد تحقيق أقصى إشباع والاكتفاء بالاقتراب منه،

يعني

المستهلك دون التدقيق في كميتها، وهو ما ورغم أن فعلهم هذا محمود إلا أنهم غفلوا كذلك عن أشياء أخر تبدو أكثر أهمية من علاج مشكلة تجزيء

السلع والخدمات، وتعد تلك عقبات جديرة بالاهتمام بحلها.

من ذلك أن المستهلك يجهل كثيرًا من المعلومات الضرورية للوصول إلى حالة التوازن؛ ذلك أن النظرية تفترض معرفة المستهلك بالتغيرات الطارئة على دخله، ومعرفته بأسعار جميع السلع والخدمات التي ترشح لاستهلاكه بما في ذلك أسعار السلع والخدمات المكملة والمنافسة لما يستهلكه، وكذلك تفترض أن يحيط علمًا بذوقه أي برغباته وحاجاته الحقيقية التي ينبغي أن يسعى لإشباعها.

ومن

ذا الذي يتمكن من معرفة كل ذلك؟! فإن المستهلك الواقعي كثيرًا ما يقدم على شراء سلعة أو طلب خدمة قبل أن يتيقن من سعرها بل يعتمد على مجرد الظن والتخمين وإن حصل ذلك فإنه من المستبعد جدا وجود من يحيط علمًا بأسعار السلع والخدمات المكملة والمنافسة لما يريد استهلاكه وإذا كان ذلك نادر الحصول في المجتمعات القديمة فإنه مستحيل في مجتمعاتنا الحديثة ولو استعان بكل التقنيات المتاحة، وإن تم ذلك لإنسان جدلًا فإنه لا يتصور أن يعلم بما يحقق رغباته وحاجاته الحقيقة باستهلاكه غير أن من يمسه ضر منها، أي أنه لا يعلم كيف يشبع بناء على ذوقه؛ ذلك أن العلم بما يحتاجه الجسم على أقل تقدير يستلزم علما واسعًا متجددا بحاجات الجسم وبطبيعة السلع المتنوعة وهذا أمر لا يكاد يحصل لأحد!

إن القارئ ليتعجب حقًا عندما يطالع هذا التجافي بين الواقع وهذا التجريد الذي تتمسك به النظرية، وقد عبر عن هذا فبلن بأسلوب ساخر حينما قال: "إن مفهوم الإنسان في مذهب اللذة هو أن الإنسان آلة حاسبة فائقة السرعة تحسب مقدار المتعة والألم ويتأرجح - كما لو أنه كرة صغيرة مشكلة

من مزيج متجانس

(62)