توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٧٤

أ) موضوع الاستهلاك.

هو

إذا كان موضوع الاستهلاك في الاقتصاد الوضعي الحاجة المغطاة بالقدرة على الدفع فإنه في الاقتصاد الإسلامي أوسع من ذلك، ورغم الدور المهم الذي تلعبه النقود في التصور الإسلامي (?) غير أنها ليست هي المعبر الوحيد عن الحاجات؛ أي أن الاقتصاد الإسلامي لا يقر إهمال الحاجة طالما لم تترجم في صورة طلب، فهو يصنف الحاجات ثم يهي ويعبئ الموارد لإنتاج ما يشبع تلك الحاجات غير مقيد بالحاجز المالي، فإذا لم يتوفر لدى الفرد مال فإن الدولة والجماعة مسؤولة من خلال جهاز التوزيع التوازني بمصادره المتعددة عن إمداده بالأموال اللازمة للحصول على ما يشبع حاجته أو توفر له ذلك دون دفع ثمن (?)، أي أن الاقتصاد الإسلامي حاجة الفرد بغض النظر عن امتلاكه النقود، فمهما كان غنيًّا أو فقيرًا فإن عليه أن يعدل سلوكه يرعى الاستهلاكي وفق الحالة التي تعظم معها المنفعة الكلية للمجتمع، ولهذا الأمر شواهد تشريعية كثيرة جدًا، نذكر منها على سبيل التمثيل:

(?) قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: (273))، فإنه تعالى يأمر المؤمنين

(???)

الموسرين بتجنيب شيء من مواردهم لأجل هؤلاء الذين تعوزهم الموارد التي تسد حاجاتهم، وهؤلاء هم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصفة. قال أبو ذر كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي بعشائه ونتعشى معه. فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناموا في المسجد" (?)، وما كان ليأخذ على ذلك مقابلا، فمن من ملوك الدنيا يرضى لنفسه أن يأكل مع أفقر أفراد المجتمع؟! لكنه محمد.

(?) فلا تعدو النقود – وفق التصور الإسلامي - أن تكون وسيلة لها وظائف محددة حصرًا وهي أن تكون مقياسًا للقيم، ووسيطا للمبادلة، ووسيلة لإبراء الذمم. يُنظر: السبهاني، الوجيز في مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص?? - ??.

(?) حمدي، فقه الاقتصاد الربحي، ص???.

(?) أبو عبد الله محمد بن أحمد ((671) هـ)، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط (2)، (1384) هـ / (1964) م، ج. (3) /ص (340).