توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٧٥(2)) ما رواه أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَفَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَضْرَةَ الأَضْحَى فِي زَمَانِ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ». قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَجْعَلُونَ حَمَّ الوَدَكِ أي يصنعون الودك الكثير] وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الأَسْقِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا ذَلِكَ»؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَهَيْتَ عَنْ إِمْسَاكِ الصَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَهْل الدَّافَةِ التي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» (?).
فقد عدل الرسول الله السلوك الاستهلاكي لمجتمع المدينة المنورة متتبعًا ما يعظم المنفعة الكلية للمجتمع أينما حلّ، فأولئك الوافدون كانت تنتابهم الحاجة إلى الطعام وهم غير واجدين للمال ولو أنه يلتفت لما في أيديهم من نقود لما عبأ بهم.
ب)
محددات الاستهلاك:
تقدم أن محددات الاستهلاك في النظرية الوضعية إنما تعالج مجرد فعل الشراء، فهي محددات موضوعية لا تفيد شيئًا في تحقيق المصلحة الفردية للمستهلك بوجه تعظم فيه مصلحة مجتمعه؛ ذلك أنها تنحصر في السلعة أربعة: الدخل وسعر وسعر السلع المكملة والمنافسة وأخيرًا، الذوق، وقد أداها إلى ذلك الاحتكام لمبدأ عقلانية المستهلك فاستبعدت كل العوامل الأخرى التي يشهد الواقع أن لها تأثيرا بالغا على سلوك المستهلك مما أوقعها في التناقض وعرضها لكثير من الهجمات التي ما استطاعت صدّها، إلا أن نظرية الاستهلاك الإسلامية لم تكن كذلك فقد قدمت حزمة من المحددات التي بها يصل المستهلك إلى هدفه مهما اعترضه من عقبات ما دام مدرعًا بفهم حقيقة الحاجة التي تنتابه، عالما بالطريق الموصل إلى إشباعها، ولعل أبرز ما يميز هذه المحددات أمران:
?) واقعيتها وشمولها فلم تترك المستهلك في أي حال من أحواله، فقد اعتنت بتوجيهه على المستوى النوعي والكمي والمجتمعي
?) ضمان تطبيقها: بأن رتبت على كل سلوك استهلاكي الجزاء المناسب كما تقدم إبان عرض النظرية. ونظرة سريعة على ما سبق عرضه تغني عن إعادة الكلام هنا فقد تظافرت النصوص على التركيز الشديد على هذين الأمرين، إلا أن داعي المقارنة يدفعني للتفصيل في نقطة أثيرت عند نقد نظرية الاستهلاك الوضعية،
(1) أخرجه الربيع في كتاب الأحكام، باب الذبائح، (رقم: (621)).