توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٧٦

وهي مدى فشلها في التعامل مع التأثير البالغ في سلوك المجتمع الاستهلاكي الذي تقوم به الطبقة المترفة

بإسرافها المظهري، وهي النقطة التي اتخذها فبلن معولًا لهدم النظرية الوضعية.

إلا أن ما يميز نظرية الاستهلاك الإسلامية أنها لم تغفل عن تأثير الطبقة المترفة في تغيير أذواق المستهلكين وفي تبديد القيم الصحيحة في المجتمع، والدليل على ذلك التحذيرات الكثيرة التي اكتنفها كتاب الله الله المتعلقة بهذا الشأن. فقد أُحكمت صياغة التصور الصحيح لهذا الجانب بالموجهات الثلاثة أركان التوجيه الإسلامي

للاستهلاك، وذلك كالآتي:

- أولا: توجهت التشريعات الربانية للمترفين لتبين أن اغترارهم بمالهم لا ينم إلا عن استهلاك الكفر المذموم، وأن إمدادهم بالموارد مفض بهم إلى سوء العقاب إذا لم يفيقوا من غمرتهم، يقول تعالى فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا يُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيرَتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: (54) - (56)] ففي ذلك نهي وزجر عن الاغترار بهذه الموارد. كما توجهت في الجانب الآخر التشريعات لتحذر الناس من أن يتولد في أنفسهم أي إعجاب بهذا السلوك الترفي، يقول تعالى: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوَلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ) [التوبة: ((55))، ويتكرر التحذير في نفس السورة: وَلَا تُعجِبَكَ أَمْوَلُهُمْ وَأَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ [التوبة: (85)]، بل إن الحال وصل إلى النهي حتى عن مد النظر إليهم رأسًا: لا تمدَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر:] وفي سورة أخرى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُم فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: ???]، وأنت ترى أن هذه التشريعات توجهت إلى قمة الأمة الإسلامية النبي صلى الله عليه وسلم، أن "اتجه إلى ربك بالعبادة وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِّنْهُمْ من عرض الحياة الدنيا، من زينة ومتاع ومال وأولاد وجاه وسلطان زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا التي تطلعها كما يطلع النبات زهرته لامعة جذابة، والزهرة سريعة الذبول على ما بها فإنما نمتعهم بها ابتلاء لِنَفْتِنَهُم فيه) فنكشف عن معادنهم بسلوكهم مع هذه النعمة وهذا المتاع، وهو متاع زائل كالزهرة سرعان ما تذبل وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وهو رزق للنعمة لا للفتنة، رزق

طيب خير باق لا يذبل ولا يخدع ولا يفتن.

من ماء وزواق،

وما هي دعوة للزهد في طيبات الحياة، ولكنها دعوة إلى الاعتزاز بالقيم الأصيلة الباقية وبالصلة بالله والرضى به، فلا تتهاوى النفوس أمام زينة الثراء، ولا تفقد اعتزازها بالقيم العليا، وتبقى دائما

(67)