توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٧٩المبحث الثاني: الحيادية والعدالة في توجيه الاستهلاك بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي
المطلب الأول: الحيادية والعدالة في توجيه الاقتصاد الوضعي للاستهلاك:
تعظيم المنفعة الكلية للمجتمع – أو الرفاه الاقتصادي هو هدف الاقتصاد الذي لاستحضاره الأهمية القصوى في تقويم أي تصرف علمي أو عملي يتعلق به، وهو أمر لا يفرط فيه كل اقتصادي إذا ما أراد أن تحظى فكرته بالقبول فيعمل المجتمع على تطبيقها، وهذا أمر يحتمه في الحقيقة غرض وجود العلم كما سبقت الإشارة إلى ذلك مرارا.
إلا أن مجرد ادعاء أي بحث اقتصادي بهذا لا يكفي لتبرئته من الاتهام، بل عليه أن يثبت دعواه بما يستطيع من البينات والبراهين أنه لا يريد إلا الإصلاح ما استطاع، من ثم فلا يمكن أن تحكم بفساد أي نظرية اقتصادية وإن فشلت في الانسجام مع الواقع ما دامت ساعية إلى تحقيق هذا الهدف بأن لم تثبت إدانتها بالانحياز لأحد المشاركين في النشاط الاقتصادي دون الآخر سواء بقصد أم بغير
قصد.
الذي يدعو إلى هذه قناعة هو سيل الاتهامات التي وجهت إلى نظرية سلوك المستهلك، تلكم الاتهامات التي نجح أصحابها في دعم آرائهم ببينات ظاهرة ظهورًا لا ينكره كل ذي عينين، حيث توصلوا إلى الحكم بفشل هذه النظرية نتيجة لانحيازها لجانب المنتج ضد المستهلك، إذ إنها قائمة على استغلال المستهلك واستنزاف موارده لصالح رغبات المنتج وهواه، الأمر الذي يحيل العالم في النهاية إلى الانهيار مالم يثر المجتمع العالمي عليها.
ذلك أننا نعلم أن المدرسة التقليدية الحديثة – التي اكتمل بناء نظرية الاستهلاك على يديها - قد اتخذت تحليل سلوك الأفراد سبيلا يؤدي المجتمع إلى حالة يحقق فيها أقصى إشباع وأمثل استخدام للموارد (?)، وذلك أنها جعلت المستهلك هو السيد الذي يستجيب ويخضع له الكون الاقتصادي محققًا منافعه وملبيا رغباته، وتقديسًا لسيادته يفترض الاقتصاديون أنه مستهلك رشيد عاقل مستقل بإرادته لا يشرك أحدًا معه في تحديد منافعه وحاجاته فإن تم ذلك فإن المنفعة المجتمعية (مجموع المنافع
(?) يُنظر: الرحماني، إقبال الفكر الاقتصادي الكلاسيكي الحديث: قراءة نقدية، ص (34).
V.