توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد
الجزء ١ · صفحة ٨٤ولم يكن بيان هذا التناقض وهذا الخلل التنظيري من جالبرث وغيره من الاقتصاديين إلا تمهيدًا للهجوم الذي شنوه على النظرية في جعلها المستهلكين عبدة خاضعين لأهواء المنتجين، وهم لا يريدون
بذلك إلا البرهنة على أنها تنظر لاستهلاك لا يعكس حاجة حقيقية في نفس المستهلك وإنما
حاجة يغرسها المنتج في نفوسهم كي يجذبهم إلى منتجاته بغض النظر عن مآل هذه الحال.
مي
وذلك لم يكن ليحصل لو كان الإنتاج يهدف إلى توفية الحاجات الحقيقية للمستهلكين، لكن المنتجين لا يرمون إلا لتأمين مصالحهم الشخصية ولو كانت على حساب مصلحة المجتمع عامة، وقد ابتدع لهم الاقتصاديون نظرية الاستهلاك هذه فأساؤوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فالواقع أن النظرية بفروضها المقتضية لعقلانية المستهلك واستقلالية قراراته تمهد الطريق لينقض المنتج على اختيارات هذا المستهلك ويخضعه لمصالحه الخاصة، والنظرية تصفق لهذا دون أن تحرك ساكنا بل تعتبره أمرًا متوافقا مع مبادئ السوق التي تحركها اليد الخفية؛ لذلك فمع وضوح التأثير الذي يعدل به المنتج سلوك المستهلك تجد أن الاقتصاديين قاوموا هذا الأمر بدرجة مقطوعة النظير، فقد شعروا بالأضرار التي تربض وراء هذه العلاقات والتي قد تلحق بالتجار شيئًا من الأذى، فمن ثم تراهم قد أغلقوا أعينهم وأصموا آذانهم لأكبر الظواهر الاقتصادية وضوحًا ألا وهي (الخلق الحديث
عن
للحاجات) (?)، وقد أبدع جالبرث في تصوير حال الاقتصاديين في دعمهم للمنتجين وغفلتهم المصلحة العامة بقوله: "وإذا أردنا أن نتمثل لهذه الحالة، فقد تتشابه مع تخيلنا لرجل إنساني، تأثر منذ زمن طويل بالنقص في التسهيلات الصحية في المدينة، فنجده يستمر في حتِ المارة على التبرع بالنقود لزيادة الأسرة في المستشفى، ويرفض أن يلاحظ طبيب المدينة [هو] الذي يدوس الناس بسيارته وذلك للمحافظة على المهنة! " ((2)).
وقد استعمل المنتجون في سبيل استغلال المستهلك وسائل متداخلة ومتشعبة لا تكاد تدخل تحت حصر، إلا أن من أبلغ تلك الوسائل فاعلية في خلق حاجات المستهلك أساليب الدعاية
(?) يُنظر: جالبرث، أضواء جديدة على علم الاقتصاد، ص (175).
(?) جالبرث، أضواء جديدة على علم الاقتصاد، ص (176).
Vo