توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد دراسة مقارنة بين الاقتصادين الوضعي والإسلامي البوسعيدي، إبراهيم بن عيسى بن يوسف

توجيه الاستهلاك وأثره في تحقيق هدف الاقتصاد

الجزء ١ · صفحة ٩٧

ثانيًا: تحقيق العدالة من خلال تفعيل محددات الاستهلاك الاجتماعية:

لا يخفى على المتأمل أن تفعيل محددات الاستهلاك النوعية والكمية له دور بارز في كفالة حقوق المشاركين في النشاط الاقتصادي، إلا أن الرؤية الاقتصادية الواسعة - الهادفة لتسخير أفراد المجتمع لنفع بعضهم - تسمو بالمستهلك ليقدم مصلحة مجتمعه على مصلحته الخاصة بحيث بصورة مباشرة في الرقي بمجتمعه والوفاء بحاجاته؛ ذلك أنه يوقن أن التدبيرات الاقتصادية مهما بلغت من الواقعية والعدالة لن تكفي في منع الفقر والحرمان بل ينبغي أن يحرم نفسه من شيء من مستهلكاته بغية نصرة المجتمع وحفظ كيانه. وقد سبقت الإشارة إلى شيء من هذا القبيل في حديث ادخار لحوم الأضاحي، حيث يعدل المسلم استهلاكه وفق حاجة المجتمع، وهنا دليل آخر أعمق في دلالته على هذا المبدأ، فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يدخل عليها، وجاء علي، فذكرت له ذلك، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني رأيت على بابها سترا موشيا»، فقال: «ما لي وللدنيا» فأتاها علي، فذكر ذلك لها، فقالت: ليأمرني فيه بما شاء، قال: «ترسل به إلى فلان، أهل بيت بهم حاجة» (?)، وفي صحيح مسلم قال: «إِنَّ اللهَ لَمَّ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِينَ» (?) (?)

فلقد كان الترتيب الهرمي للمصالح واضحًا عند الأصوليين؛ فالضروري أولا يليه الحاجي يليه التحسيني، واعتماد هذا التصور يقضي بأن يتم تخصيص الموارد لإشباع حاجات بحسب سلم الأولويات للحاجات

الحقيقية لعموم أفراد المجتمع، وليس بحسب أسعار الطلب التي يستطيع دفعها الأغنياء أبنائه فقط ((4)). من وقد يتعجب المرء من هذه الكم الكبير من الأحكام التي توجه سلوك المستهلك إلا أن الواقع أن صياغة الطلب مسألة جد خطيرة في الحياة الاقتصادية؛ لأنها تعيد تعريف المفردات الاقتصادية بما فيها القوة الإنتاجية للمجتمع؛ ع؛ لذا نجد الإسلام يحشر لها شروطًا موضوعية وذاتية تكتنفها التشريعات، والمنظومة القيمية تكفل سلامة استخدام المجتمع لموارده (?)؛ ذلك أن الاستهلاك في أصل نشأته بشري بنائي وليس نشاطا نشاط هو بشريًّا إهلاكيًّا إفنائيَّا؛ فهو يستهدف بناء الإنسان وتنمية قدراته ومقوماته، وهو يستهدف بطريق غير مباشرة

(?) أخرجه البخاري في كتاب الحيل باب ما ينهى من الخداع في البيوع، (رقم: (6964)).

((2)) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة باب: لا دخل الملائكة بيتا في كلب ولا صورة، (رقم: ????). (?) لكن أين المسلمون من مثل هذه التوجيهات؟ فلو أتيت مساجدهم وجدت فيها مالا يتصور من الإسراف، ومن أين؟ من تبرعات المحسنين، فهل من عمارة المساجد أن تنفق مليارات الدولارات في ترصيعها بالأحجار الكريمة وطلاء ثريّاتها بالذهب الخالص! كلا

والناس يموتون جوعًا في كل بقاع العالم! إن هذا لهو الضلال المبين.

((4)) السبهاني، عبدالجبار بن حمد الوجيز في مبادئ الاقتصاد الإسلامي، ص (25)، (26).

((5)) يُنظر: السبهاني، الأسعار وتخصيص الموارد في الإسلام، ص (473).

وربي، فما بالك

??