تحقيق طريق السداد على علم الرشاد
الجزء ١ · صفحة ٥٤«مقدمة في حد البغي وثمرته»
إنما وضع هذه المقدمة ها هنا ليستبين الناظر في هذا الكتاب ماهية البغي ويعرف آفاته فبمعرفة الحد تتصور له حقيقته وبالوقوف على معرفة ثمرته تنفر نفسه (96) عن مقارفته ولا إشكال في إطلاق الثمرة على آفات البغي؛ لأن إطلاقها غير مقصور على الثمر الطيب، وإنما تطلق عليه وعلى غيره وإنما الإشكال في إطلاق الحد على التعريف الذي سيذكره المصنف على أنه لا حد فيدفع عليه غير المناطقة من ترادف رسم الحد والتعريف؛ فيقال هكذا أن المصنف قد مشى في هذا الإطلاق على قاعدة الأصوليين وهم إنما يطلقون الحد على ما يتميز به الشيء عن غيره ولا يخصونه بالتعريف بالجنس والفصل كما عليه المناطقة ولما كان التنفير عن مقارفة البغي والتخويف عن اكتسابه والتهويل لشأنه هو معظم مقصود المصنف في هذه المنظومة، قدَّم من ثمراته ما يفهمه الخاص والعام فقال:
ه - وَبَعدُ فَالبَغْى صَرَّاعٌ لِصَاحِبِهِ
وَهَلْ تَرَى بَاغِيًا إِلَّا وَقَدْ مُحْدِلًا
أي: وبعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه المبايعين أنفسهم الله، فأقول إن: الظلم والتعدي والسعي بالفساد في البلاد مهلك للمقيم على فعله وشاهدنا على ذلك أنه لا تجد في الغالب متعديًا ظالما ساعيًا بالفساد إلا متروك النصر والإعانة ذليلا بين الورى وهذه المشاهدة كافية في ردع المعتبرين ومنع المبصرين عن صدور مثل ذلك منهم، فالواو في قوله وبعد نائبة عن إما، وإما بعد كلمة موضوعة للخروج من أسلوب إلى أسلوب آخر، قيل: وأول من نطق بها داود عليه السلام، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، وقيل: كعب بن لؤي (??)، وقيل: قس بن ساعده الأيادي (??)، والفاء في قوله: فالبغي،
_ (97)
في (ب): النفس.
(??) كعب بن لؤي بن غالب من قريش من عدنان، خطيب من سلسلة النسب النبوي، كان عظيم القدر عند العرب حتى أرخوا لموته إلى عام الفيل، وهو أول من سن الاجتماع ليوم الجمعة وكان يسمى يوم العروبة من نسله بنو سعد وبنو سهل وبنو العاص. انظر: خير الدين محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي، الإعلام الناشر: دار العلم، ط: ?5، ????م)، ج ?، ص???.
(??) - قس بن
ساعدة
بن عمرو بن عدي بن مالك من بني إياد أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم في الجاهلية، كان أسقف نجران، وأدركه النبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، ورآه في عكاظ انظر الزركلي، الإعلام، ج 5، ص 196.
54