الدولة الرستمية دولة إسلامية تجاهلها التاريخ لمهنا السعدي
الجزء ١ · صفحة ٤بذل عبد الرحمن ـ وهو لم يبايع بالإمامة ـ جهده مع من معه من العلماء في بناء تيهرت حتى تكون على أجمل هيئة ، حتى أن بعض المصادر العلمية تفصل في بناء المدينة بداية بالمسجد الجامع ، ونهاية بالدور والقصور ، والبيوت والأسوار الحصينة (13) .
فازدهرت تيهرت وبلغت شهرتها الآفاق ، وشدت إليها الرحال للتجارة والسكن والعيش الرغيد الآمن ، مما جعل الكتاب والرحالة يقصدونها ويشيدون بها ومن ذلك ما قاله المقدسي واصفا لها فيقول : " … هي بلخ المغرب ، قد أحدقت بها الأنهار ، والتفت بها الأشجار ، وغابت في البساتين ، ونبعت حولها العين ، وجل بها الإقليم ، وانتعش فيه الغريب ، واستطابها اللبيب ، يفضلونها على دمشق وأخطأوا ، وعلى قرطبة وما أظنهم أصابوا ، هو بلد كبير ، كثير الخير رحب ، رقيق طيب ، رشيق الأسواق ، غزير الماء ، جيد الأهل ، قديم الوضع ، محكم الرصف ، عجيب الوصف … " إهـ (14)
وما أن وصلت سنة 160هـ حتى قام العلماء وأهل تيهرت بمبايعة عبد الرحمن إماما عليهم ، وهو حري بهذا المنصب ، فهو الذي استطاع أن يبني لهم هذه الدولة ، وهو الذي خصه شيخه أبو عبيدة بقوله له : " أفت بما سمعت مني وما لم تسمع " (15) .
وقد تولى الحكم في الدولة الرستمية عدد من الأئمة العدول ، يتم اختيارهم من قبل العلماء والرعية ، فكانت الدولة الرستمية سائرة على نهج الخلافة الراشدة ، وقد يتبادر إلى ذهن البعض أن الحكم في الدولة الرستمية وراثي بسبب كون جميع من حكم من سلالة الإمام عبد الرحمن ، ولكن الأمر بخلاف ذلك ، وقد تكفل بعض الباحثين بكشف اللبس في هذه القضية كالشيخ علي يحيى معمر في كتابه " الإباضية في موكب التاريخ " 3/30 ، وذكر عدة أدلة تدل على أن نظام الحكم في الدولة الرستمية ليس وراثيا ، وإنما كان يرتسم خطى الخلافة الراشدة بتطبيق مبدأ الشورى ، وتكفل أهل الحل والعقد من العلماء باختيار الإمام الجديد .