نشوان الحميري وآراؤه الكلامية
الجزء ١ · صفحة ٢٢المطلب الأول: وجود الله
تمهيد
الحقيقة إن الإنسان بفطرته السليمة وعقله السوي، يستطيع أن يتوصل إلى معرفة خالقه وموجده، وذلك بالتأمل الدقيق والنظر الفاحص في هذا الكون الفسيح، المترامي الأطراف، إذ كل موجود فيه ـ من ذراته إلى مجراته - شاهد على وجود الله جل جلاله، يقول أبو العتاهية:
ولله في كل تحريكة … وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد (47)
فلا عجب أن يرد أعرابي أمي لا يعرف من الدنيا سوى بيئته التي يعيش فيها إذا سُئل كيف عرفت الله؟ أن يقول: "البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير".
إن عقيدة الإيمان بالله لدى المؤمن تحتم عليه الإيمان بأن الله موجود لذاته، وأنه غير مسبوق بعدم، فهو الواحد القديم دون غيره، الذي لا بداية لوجوده والباقي الذي لا نهاية لوجوده، دلت على هذه الحقيقة الكبرى الفطرة السليمة المودعة في النفوس، والعقول الخالصة من الهوى المودعة في الرؤوس، وقد دلت عليها كذلك البراهين والحجج القائمة في الإنسان من جسم ونفس وروح وعقل وعاطفة، وفي الحيوان والنبات وفي الأرض والرمل والتراب والحجر والسهل والجبل، وفي السماء من رياح وأمطار وليل ونهار، وفي جميعها آيات تدل على الخالق الواحد الأحد سبحانه (48)
لا شك أن استمداد هذه العقيدة الراسخة في قلب المؤمن من القرآن الكريم، وهو حجة الله تعالى على الخلق، وحجة الرسول صلى الله عليه وسلم ومعجزته الخالدة، يقول الحق سبحانه
م، ص:
.11
47 - التمثيل والمحاضرة عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429 هـ)، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثانية 1401 هـ – 1981 48 - إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، محمد بن إبراهيم بن سعد الله وهبي سليمان غاوجي الألباني، دار السلام - مصر - الطبعة الأولى 1990 م، ص: 19.
بن جماعة الكناني (733 هـ)، تحقيق:
21