نشوان الحميري وآراؤه الكلامية
الجزء ١ · صفحة ٣١إنكارها السادة الإباضية ووافقهم في ذلك المعتزلة والشيعة والزيدية، ويستدل الإباضية على إنكارهم
الرؤية بأدلة عقلية ذكرتُ شيئا منها في التمهيد للمطلب، وأدلة أخرى نقلية.
ومن
الأدلة النقلية وهو أقواها وأصرحها عندهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ سورة الأنعام،103، فقد سيقت هذه الآية الكريمة مساق التمدح، ومدائح الله لا تتبدل في الدنيا ولا في الآخرة، ومثل هذا السياق ما ورد في آية الكرسي في قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة 255، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ الكهف 49، إلا أن مثبتي الرؤية اعترضوا على هذا الدليل بحصرهم هذا النفي في الدنيا، فأجازوا الرؤية في الآخرة، وهذا الحصر خطير لو أجريناه على الآيات التي على شاكلة الآية (لا تدركه الأبصار)، ولهم اعتراضات أخرى على هذا الدليل لا يسع المقام لذكرها لأنها تطول.
ومن
أدلة الإباضية على نفي الرؤية قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الأعراف 143، و "لن" من أقوى أدوات النفي، وهي تفيد التأكيد والتأبيد، وقال الإباضية في هذا الدليل: لئن منعت الرؤية عن موسى وهو كليم الله، فمنعها عن غيره من باب أولى، ولهم من كتاب الله أدلة أخرى. أما أدلتهم من السنة، فعند مسلم: عَنْ أَبي ذَرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»، وعند الشيخين عن أبي الدرداء: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجه ربنا في جنة عدن»، فصفة الكبرياء صفة ذاتية في الله لا تتبدل، فما انتفى بسببها انتفى أبديا. هذا مختصر عقيدة الإباضية في قضية الرؤية، ونرى أن مستندهم فيها كتاب الله والسنة الثابتة
والعقل الصحيح.
30