الرحلة الخالدة إلى تركية الماجدة لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٣٣واجلس، وخذ قسطك من الرّاحة، نحن نذهب لنستطلع الأمر، ثمّ نقرّر بعد ذلك ما نفعل ..
رجع الأخ جابر ضاحكًا مستبشرًا وقال: لقد وصلنا والحمد لله، عليك أن تتحمّل الخطوات القليلة الباقية، فكان تقديره تقديرَ الصّحيح المعافى، أمّا أنا فحسبت المسافة بحساب العليل المبتلى. واصلنا سيرنا، فوصلنا نقطة النّهاية، وبعد لأي عرفنا الدّار، بعد ما مكر بي المشيُ مكرًا كُبارًا.
انتهى الشّوط الأوّل من المعاناة، فكان علينا أن نستعدّ لصعود الدّرج، قلنا: إنّ المطعم لا يعدو أن يكون في الطّابق الأوّل، فالأمر بسيط وهيّن، شيء من الإرادة وقليل من التّحمّل نُخلد بعدهما إلى الرّاحة.
هيّا استعد للمرحلة الأخيرة يا محمد، ها قد وصلنا إلى المكان المقصود. أين الكرسيّ لأجلس، من كان يمسك بيدي حوّلني إلى جهة الدّرج المؤدّية إلى الطّابق الثّاني، إذن هناك درجات أخرى نصعدها!! كان الجواب فعلاً، لا قولاً، سِيرَ بي كما أشار الدّليل، حططنا في الطّابق الثّاني، تأكّدتُ أنّنا وصلنا الغاية، فالمكان متّسع، به هرج ومرج وضوضاء منبعثة ممّن يتحرّك فيه، فهو مكان للأكل، إذن نحن مِنْ ضمن مَنْ يحلّ فيه بكلّ تأكيد …
قيل لنا: هذا محلّ مخصّص للطّلبة. لسان حالهم يقول: جلوسكم فيه مخلٌّ بقدركم، أنتم مكانكم أسمى وأرفع، أنتم أساتذة وضيوف .. نسمو بكم إلى مقام أعلى، وإلى ما هو أرقى وأليق بمكانتكم. ارتقوا طابقًا آخر. استجبنا وأكملنا الصّعود إلى الطّابق الأخير، إلى قمّة المبنى.
لقد كان صعودنا في هذه العمارة كمن يتسلّق جبلًا، يصعد وهو ينظر إلى أعلى، فإذا وصلها، بدا له ارتفاع آخر، يحسبه القمّة ونهاية الصّعود، فإذا بلغها تراءت له هضبة أخرى، فواصل التّسلّق وهكذا … فكنّا نشعر بالتّعب الذي يلقاه المتسلّق الجبلَ. فهل طبّق علينا المضيّفون قول أبي القاسم الشّابي:
وَمَنْ لا يُريدُ صُعودَ الجبال
يَعِشْ أَبَدَ الدّهرِ بَيْنَ الحُفّرْ