الرحلة الخالدة إلى تركية الماجدة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

الرحلة الخالدة إلى تركية الماجدة لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٨

لا أعرف مصدرا واحدا عالج مراكز البحث العلمي، بل وحتّى الجامعات، اليومَ، بصيغتها المعاصرة، باعتبارها "واديا مقدّسا" … إذ إنَّ خلع الحذاء، مثل التجرُّد من اللّباس المخيط والمحيط في الحجِّ، يشير إلى ضرورة إظهار الخشوع والتّواضع، ويدعو إلى إلغاء مظاهر الفروق والرّتب، شكلا ومعنى … فخلْع النّعل هنا، في الأكاديميا، عنوان التجرُّد من الارتباطات والعلاقات الأرضية، وشعارُ التّنصّل من الأوساخ والمتعلّقات الدّونية، ماديا ومعنويا؛ ليكون المرء مؤهَّلا لاستقبال نور السّماء، نورِ الوحي … أمَّا مَن بقي عالقا بقاذوراته الدنيَّة، ملطَّخا بآثامه وذنوبه، فإنّه لن يكون أبدا أهلا للمعرفة والعلم النّافع، ولا سهلا للعرفان والعمل الصّالح … فأبلغ وصف له، قوله تعالى: ﴿ … أَخْلَدَ إلى الأرض واتّبع هواه، فمثله كمثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث أَوْ تتركه يلهثْ … ﴾ (الأعراف: 176)

أمّا الإمام الشّيخ إبراهيم بن عمر بيّوض فيقول موضّحًا مستجليًا المعنى المتضمّن في الآية الكريمة:" ﴿يَا مُوسَى إنّي أنَا ربُّكَ فاخلعْ نَعْلَيكَ … ﴾: إنّك في مكان مقدّس مبارك، وأيَُ بركة وقداسة لهذا المكان أعظم من أن يختاره الله تعالى ليكلّم فيه كليمه موسى عليه السّلام.

إنّك يا موسى بحضرة الله، بحضرة الجليل العظيم، ولا يليق أن تطأ هذا المكان المقدّس بنعليك. هكذا علّمه ربّه أدب التّواضع. ومن عادة النّاس أن يخلعوا نعالهم إذا دخلوا الأماكن المقدّسة، أو دخلوا على الملوك تذلّلاً وتواضعًا. ومن أحقّ بالتّذلّل والتّواضع له من الله تعالى؟ وأيّ مكان أحقّ أن تخلع فيه النّعال من هذا المكان المقدّس، الذي تجلّى فيه الله تعالى لموسى وكلّمه ونبَّأه؟ " (في رحاب القرآن، تفسير سورتي مريم وطه، ص: 241، 242.)

من هذا التّفسير والتّوضيح نفهم المعاني البعيدة والعميقة التي يدلّ عليها تصرّف رجال الخدمة والأكاديميا في الالتزام بخلع النّعال في الأماكن التي ينشر فيها العلم، وفي الأركان التي تقدّم فيها المعارف. إنّها شريفة يجب أن يُتصرّف معها بشرف، هي جليلة يجب أن تقابل بما يليق بجلالها …

٨ / ٩٧