التحكيم في الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٤٦حجج وأسانيد الاتجاه الثاني:
القضاء
إن جوهر
هو
الفصل في نزاع معروض وتطبيق حكم القانون عليه، وهذا ما يفعله
التحكيم الدولة تعترف بالتحكيم كنوع من أنواع القضاء والفصل في بعض المنازعات، كما
القضاء
يعترف القانون الداخلي في حالات معينة وبشروط معينة بالأحكام الصادرة من الأجنبي، أو من بعض السلطات الدينية غير سلطة الدولة، وجود بعض الفروق بين القضاء والتحكيم لا يحول دون الاعتراف بالصفة القضائية للتحكيم. فكون المحكم لا يستطيع استدعاء شاهد وإلزامه بالحضور والمثول أمامه، ولا يستطيع إلزام خصم بتقديم ما يحوزه من مستندات، فهذا لا يعد دليلا أو جهة أو سندا لإنكار الصفة القضائية للتحكيم، لأن ذلك لو صح يعني أن الحكم الأجنبي أيضا لا يعد قضاءً، لأنه ينطبق عليه ذات الشيء، وهو ما لم يقل به أحد، أن القرار الصادر في التحكيم والفاصل في النزاع يجوز حجية الشيء المقضي به ومن المعروف أن هذه الحجية لا تتمتع بها الأحكام القضائية.
- الطبيعة المزدوجة للتحكيم
إن الذين قالوا بهذه الطبيعة أرادوا الموازنة بين فكرتين جوهريتين داخل نظام التحكيم وهما فكرة العقد وفكرة القضاء، وحيث إن لهاتين الفكرتين دورا بارزا في تحديد الطبيعة الخاصة والمستقلة للتحكيم وبما أنه وُجد هناك شيء من التداخل أو التعاقب بين هاتين الفكرتين داخل هذا النظام، الأمر الذي أدى إلى أن يرجع الفقه إحداهما على الأخرى من أجل تحديد طبيعة هذا النظام وعليه فإنه يمكن اعتبار أنصار هذه النظرية هم الأقرب إلى الصواب، لأنهم لم يتجاهلوا أيا من الطبيعتين لا القضائية ولا التعاقدية، بل إنهم ينظرون إلى التحكيم باعتباره نظاما ذا طبيعة مركبة. ووفق هذه النظرية فإن التأثيرات المختلفة لفكرتي العقد والقضاء هي التي تتعاقب على طبيعة هذا النظام مما يجعلها مزدوجة، فتارة تطغي التأثيرات العملية لفكرة العقد وتبدو الصفة التعاقدية واضحة، وذلك من خلال الاتفاق على التحكيم واختيار
44