السياسة البترولية في الجزائر الحاج موسى بن عمر

السياسة البترولية في الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٢٤

في محيط دولي تغيَّرت فيه معالم القوة وارتفع فيه صوت الحرية وحق الشعوب في تقرير المصير، وأصبحت المنافسة مرتكزة على التكتل والتحالف، جاءت "أَورَبَة الصحراء" بمفهومها الاقتصادي واعتبارها عمقا استراتيجيا للضفة الشمالية للمتوسط لتكون خطا لمواجهة الخطر الشيوعي من الشرق والوقوف أمام الهيمنة الأمريكية من الغرب، وتأمين الاقتصاد الأوروبي الذي تهدده صراعات الشرق الأوسط وأوضاعه المضطربة.

وتمهيدا لفصل الامتداد الصحراوي الجزائري عن الوطن، أشاع الاستعمار فكرة فراغ الصحراء من السكان واختلافها عن شمال الجزائر طبيعيا وجغرافيا، وسعى إلى فصل هذا الشطر "المفيد" من البلد، وذلك بانتهاجه سياسة داخل الجزائر تطبعها ضغوط الإغراء حينا والتهديد أحيانا أخرى، وسياسة أخرى لمحاولة كسب موافقة الأفارقة، تصطبغ بلون التفرقة تارة وبلون الوعود تارة أخرى، وسياسة ثالثة موجهة لإقناع الشركاء الأوروبيين، تكتسي لباس التحذير من الخطر الشيوعي الساعي لغلق منافذ أوروبا بعد أن يحكم الطوق بإرساء قواعده بصحراء الجزائر في حال انسحاب فرنسا من هناك من جهة، ومن عواقب الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وجنوب آسيا بعدما أصبحت مسالك التموين غير مأمونة في محيط يشهد تطور الوعي الوطني واليقظة القومية.

إنَّ هذه العوامل والظروف تشكلت مسلسل السياسة النفطية الفرنسية بالجزائر، تلك السياسة التي يبررها المنطق الاستعماري سعيا وراء تكريس كيانه الذي سرى إليه التصدع والاهتزاز منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة لما شرعت فرنسا في إقامة مشاريعها الكبرى، وبرامجها بعيدة المدى من أجل إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد الفرنسي، وتنبهت إلى ضرورة أيجاد مصادر طاقة حيوية وموارد مالية احتياطية داخل مستعمراتها تسدد بها حاجاتها المتزايدة من النفط، مما يوفر عليها النزيف المالي من العملة الصعبة التي تنفقها من أجل استيراد النفط ومشتقاته من خارج منطقة الفرنك، مما شكل حافزا قويا للجهود التي بذلتها

٢٠٤ / ٣١٦