الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٤٧الأوثان، أما بعضهم الآخر، فركبه الغرور، والكبر، والاستعلاء على الله تعالى، وتمسكوا بالرأي المخالف عن أمر الله وكفروا بما يقوله لهم نبي الله وصدوا عنه.
ثم قام نوح عليه السلام بمجادلتهم ومقابلة حججهم بالأدلة والبراهين بحكمة بليغة فهناك مجادلات وردود كثيرة لا يسعني المقام لذكرها ومن ضمنها عندما قالوا له إنما أنت بشر مثلنا لا تختلف عنا بشيء، لم يقل لهم غير ذلك لأنه بالفعل بشر مثلهم، قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَنكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا (هود: 27) لم يقابل منهم عليه السلام إلا الغرور، والاستكبار، وعدم الاستماع إلى ما يدعو إليه، ثم لجأ نوح عليه السلام إلى أسلوب التأنيب، والتوبيخ ومخاطبة عقولهم وأفئدتهم، وكما ذكر سابقًا إن نوحًا عُرف بكثرة شكره لنعم الله فقرر تذكيرهم بها وقال لعلهم يتذكرون نعم الله عليهم ويهتدون إلى سبيل الرشاد، حيث قال الله عز وجل على لسان نوح: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا» (نوح:13)، قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: أي "مالكم لا ترون لله عظمة 2، ولا تبالون ولا تعظمون الله تعالى حق تعظيمه، وقد استحقوا هذا التوبيخ والتأنيب بأسلوب حكيم حيث جاء في الآية التي تليها ذكر خلق الإنسان، فقد خُلق أولًا من نطفة، ومن ثم علقة وبعدها مضغة، قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح:14)، "والأطوار دالة على حكمة الخالق وعلمه وقدرته، فإنّ تطور الخلق من طور إلى طور … كل ذلك والذات واحدة فهو دليل على تمكن الخالق من كيفيات الخلق والتبديل في الأطوار، وهم يدركون ذلك بأدنى التفات فكانوا محقوقين أن يتوصلوا به إلى معرفة عظمة الله وتوقع عقابه؛ لأن الدلالة على ذلك قائمة بأنفسهم وهل التصرف فيهم بالعقاب والإثابة إلا دون التصرف فيهم بالكون والفساد".
و ذكرهم بخلق السماوات لعلها تثير نفوسهم فيهتدون قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سموت طِبَاقا» (نوح (15)، ومن ثم تلى هذه الآية ما ينير هذه السماوات، الذي يبعث النور في الأرجاء حيث قال تعالى: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً (نوح: 16).
3
انظر: المرجع السابق، ص 32.
2 الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 23، ص 295.
عاشور، التحرير والتنوير، ج 29، ص 201.
39