الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

وبعد انتهائه من ذكر السماوات وما فيهن أشار إلى الأرض وما ينبت فيها، حيث قال الله تعالى: {وَالله أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتا (نوح (17)، والكثير من الآيات التي كانت توضح نعم

الله تعالى فقد ذكرها لهم علها تغير حالهم وتجعلهم يعبدون الله وحده ولكن لم يزدهم ذلك إلا

عنادا وضلالا وكفرًا.

مدةً من

العمر، وينصحهم،

الله

مكث عليه السلام يدعوهم. فقد بين موقفهم منه: قَالُوا يُنُوحُ قَدْ جُدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدُلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (هود: 32). لم ينته بهم الحال إلى الجدال، والعناد فقط بل بدأوا في التطاول على نبي الله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَنكَ فِي ضَلُّل مُّبِين (الأعراف (60)، ورد عليهم نوح بلطف: قَالَ يُقَوْمٍ لَيْسَ بِي ضَلَّلَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (الأعراف: 61)، وضل نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين ناصحًا لهم دون جدوى قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظُلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 14)، وضل على حاله يحاول معهم، ويضرب لهم الأمثال دون جدوى، كانوا يصمون أسماعهم ويعمون أبصارهم عنه واستكبروا على سماع ما يقول لهدايتهم وعودتهم إلى الصواب وعبادة الله، فدعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والإجهار، بالترغيب والترهيب أخرى، فلم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به، وتوعدوهم بالرجم والإخراج ونالوا منهم، وبالغلوا في أمرهم "2. بالنظر إلى ما سبق من الأساليب التي استخدمها نوح عليه السلام مع قومه بما فيها من الشدة، فإن نتيجة دعوة نوح عليه السلام لم تنجح؛ فشكا همه إلى خالقه، وقد كساه اليأس من أن قومه سيؤمنون بالله تعالى، حيث قال الله تعالى على لسان نبيه: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارا (نوح: 5)، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاءِيَ إِلَّا فِرَارا) (نوح (6)، تدل ليلا ونهارًا على أن الدعوة كانت دائمة في كل الأوقات، وكل هذا يا الله " امتثالا لأمرك، وابتغاء طاعتك فلم يزدهم دعائي إلا فرارًا أي كلما دعوتهم ليقتربوا

1 الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 23، ص 300، ص 295.

2 الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري، البداية والنهاية، د. ط. (القاهرة: مطبعة السعادة،

د. ت)، ج 1، ص 107. 3 المراغي،

أحمد

بن مصطفى، تفسير المراغي، ط 1. (مصر: شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، 1365 هـ

1946 م)، ج 29، ص 81.

40