الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٤٩إلى الحق فروا منه وحادوا عنه "، وكما "شكا لله تعالى أنه كلما داعهم لم يظهروا له بأنهم فهموا مغزى هذه الدعوة حيث أظهروا الصد والإعراض عن دعوته طرفة عين، وجاءت "كل" تدل على الشمول، فكل أنواع الدعوة التي دعا بها قومه قابلوها بالصد، فكان يقول يا رب كلما دعوتهم إلى عبادتك، وتقواك وطاعتك فيما أمرتني به كانوا يجعلون أصابعهم في أذانهم لكي لا
211
يسمعوا كلامي، ووضعوا غشاء على أعينهم لكي لا يبصرون إشارتي" حيث قال تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصْبعَهُمْ فِي وَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (نوح: 7)، ثم وضح بأنه جمع بين الجهر والإسرار في دعوته؛ "لأن الجمع بين الحالتين أقوى في الدعوة، وأغلظ من إفراد إحداهما"، وقال تعالى مشيرا إلى ذلك: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ (نوح (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً» (نوح: 9).
بعد شكوى نوح عليه السلام استجاب الله دعاءه، " … أمره أن يصنع الفلك، برعاية منه عز وجل وحسن نظر وتعليم من الله له المضي في هذه الصنعة التي امتن الله بها على العباد، وصار لنوح عليه السلام فضل الابتداء بهذه الصناعة التي حصلت بها منافع دينية، ودنيوية في جميع الأوقات"، فقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (هود: 36)، لم يترك الكافرون نوحًا، ومن آمن معه، وهم يصنعون السفينة في حالهم بل كانوا كلما مروا عليه سخروا منه، قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَا مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْةٌ (هود: 38)، ويرد نوح عليه السلام: ﴿قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) بعدها تمت كلمة الله. العليا، وأرسل الطوفان، وغرق من غرق منهم، ونجا من نجا، ولقد أغرق الله جميع الكافرين، ونجى نوح ومن معه أجمعين وكان في ذلك آية، وبرهان على أن ما جاء به نوح من التوحيد والرسالة، والبعث، والدين هو
مي
إذا أرادوا أن عادات قوم نوح
1 الدمشقي، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري، تفسير القرآن العظيم، تحقيق. محمد حسن شمس الدين، ط 1. (بيروت: دار الكتب العلمية، 1419 هـ)، ج 8، ص 246. انظر: التونسي التحرير والتنوير، ج 29، ص 196، إضافة: "بأن قد تكون هذه يظهروا الكراهيه لكلام من يتكلم معه يجعلوا أصبعيه في أذنية ويجعل من ثوبه ساتراً لعينية". المرجع نفسه، ص 197.
3
4
من
آل السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الرحمن بن ناصر بن حمد، تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ط 1. (المملكة العربية السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، 1422 هـ)، ج 1، ص 183.
41