الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٥١

- استعمل نوح عليه السلام أسلوب الشدة بعد الترغيب، فالملاحظ أن الترهيب، والتشديد على المدعوين لا يأتي إلا بعد الترغيب، فلو عبدوا الله تعالى، وأطاعوا الرسول يغفر لهم ذنوبهم، ويمتعهم في هذه الدار، وكما أنه يدفع عنهم الهلاك إلى أجل مسمى أي مقدر للبقاء في الدنيا بقضاء الله وقدره، حيث قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (الأحزاب: (71)، ففي هذا ترهيب من بقائهم على كفرهم وعنادهم حتى يأتيهم الأجل، فحدثهم عن نعم الله تعالى وأظهر لهم قوته بالبراهين والحجج الواضحة، ومن ثم ذكر لهم عقاب الله تعالى في حال الإنكار.

بوضع

اتسم قوم نوح عليه السلام بالعناد، فكان يدعوهم خمسين سنة، وواجه منهم الصد أصابعهم في آذانهم لكي لا يسمعوا دعوته، ووضعوا الأغشية على أبصارهم لكي لا يبصروه، كان موقفه بعد كل هذا استخدام أسلوب الشدة كأفضل حل يواجه به كل هذا.

المطلب الثاني: موقف استعمل فيه سيدنا إبراهيم عليه السلام الشدة مع قومه.

أن

إن دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام اشتملت على أساليب عديدة مثل نوح عليه السلام، لم يتخذ أسلوبًا واحدًا في الدعوة سواء في دعوته مع أبيه أم مع قومه بشكل عام، وهذا يعني دعوة النبي إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام لم تكن دفعة واحدة، بل مرت بمراحل عديدة، وتدرجت دعوته على حسب ظروف حياته، فالناظر إلى قصته يجد أنه بدأ أولا بأهل بيته، ثم انطلق لدعوة قومه، وفي هذا المطلب بإذن الله ستتناول الباحثة موقفا ظهرت فيه الشدة إبراهيم عليه السلام، وكيف استعمل الشدة كأسلوب دعوي وما الفئة التي استحقت هذه مع إبراز بعض الأمور المهمة المستنتجة من هذا الموقف.

الشدة،

من دعوة

بدأ إبراهيم عليه السلام دعوته في بدايتها بدعوة خاصة، تمثلت في دعوته لأبيه الذي كان يعبد الأصنام، وقد امتاز أسلوبه باللين والمودة، والحب والعطف، والموعظة، وعدم التشديد في الدعوة حيث قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتُبِ إِبْرَهِيمُ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّا (مريم: 41)، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَأْبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيَا (مريم:42) يأْبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرُطاً سَوِيّا (مريم: 43)، فهذه حوارته مع أبيه خير دليل على لينه، وعطفه، وبعد رفض والده الاستجابة لدعوته، ومقابلته بالتهديد والغلظة في الكلام بأسلوب

1

العواجي، معالم دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ص 119.

43