الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٥٢مليء بالقسوة اتجاهه، حيث قال تعالى على لسان والد إبراهيم: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ وَالِهِتِي با برهيم لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (مريم: 46)، وفي تفسير هذه الآية "أي إنك لا تريد
6 …
عبادتها، فانته عن سبها، وشتمها، وتعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك، وشتمتك وسببتك وهو قوله لأرجمنك، وقوله: واهجرني مليا … يعني دهرًا … زمانًا طويلًا" 1. إلا أن إبراهيم عليه السلام استخدم أسلوب الدعاء اتجاه كل هذه التهديدات، والقسوة من أبيه، ولم يستخدم الشدة بتاتاً، بل دعا له بالمغفرة له ولوالديه، وللمؤمنين حيث قال الله عز وجل: رَبَّنَا اغْفِرْ لي وَلِوَلِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (إبراهيم (41)، و قَالَ سَلْمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً (مريم: (47)، هكذا واجه إبراهيم عليه السلام أباه في بداية الأمر عندما نهاه عن عبادة الأصنام لم يزجره ولم يعل نبرة صوته بل احترم أباه، ومما ذكر أن إبراهيم دعا قومه لترك عبادة الأصنام فترة، وحاورهم وجادلهم في ما يعبدون من حجارة، وأخشاب يصنعونها تماثيل بأيديهم دون جدوى، ولا تلبي احتياجاتهم أو تصغي إليهم وبعد محاولات فاشلة، والكثير المجادلات اتجه إبراهيم عليه السلام في الدعوة إلى أسلوب الشدة حين قرر تحطيم الأصنام، وهم على غفلة من أمرهم، و"في أحد الاحتفالات التي كانت عبر ضفة النهر طلبوا من إبراهيم أن يرافقهم في احتفالهم، فنظر إلى السماء، قال تعالى على لسان إبراهيم: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيم (الصافات: 89)، ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "أن إبراهيم عليه السلام قال بأنه سقيم أي مطعون به مرض الطاعون لكي يفروا منه ويتركوه وشأنه، ويبتعدوا هم لعبادة أصنامهم، وقيل معنى سقيم بأنه مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى، وحاشا عليه السلام أن يكذب" 2، فتركوه مسرعين خوفًا أن يكون به مرض فوجدها إبراهيم فرصه له" ليكسر
من
1
…
الأصنام، وهم يحتفلون، قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنُمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ (الأنبياء (57)، توجه عليه السلام لمعبدهم المليء بالأصنام من شتى الأحجام والأشكال والأنواع، وفي وسطهم صنم كبير عليه تاج من ذهب وله عينان من يقوت أحمر"3.
الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، ج 5،
ص
.209
2 انظر: الراجحي، عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن، شرح تفسير ابن كثير، دروس صوتية ف بتفريغها موقع شبكة الإسلامية، د. ط. (د. م: د. ن، د. ت)، 7، ص 22.
البدوي، حسن الموسوعة الكبرى لقصص الأنبياء من بداية الخلق حتى خاتم المرسلين، تحقيق وتعليق. كامل عويضة، د. ط. (القاهرة: دار ابن لقمان للنشر والتوزيع، د. ت)، ص 80.
44