الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٥٣

دخل على الأصنام، وفي يده فأس فحطمها، ولم يترك منها إلا الصنم الكبير قال تعالى: فَجَعَلَهُمْ جددًا إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} (الأنبياء: 58) فسر ابن عاشور هذه الآية، وقال فيها: "اسم جمع جذاذة، فعالة الجد، وهي

المستفهم

ذلك

عنه،

عنه

من وهو القطع مثل قلامة، وكناسة، أي كسرهم وجعلهم قطعا" 1. كانت قسوة إبراهيم في تحطيم الأصنام حكمة بليغة فعندما أستدعي إبراهيم إلى معبدهم وفي حضور الجميع دار بينهم الحوار الذي ذكره الله تعالى في سورة الأنبياء حين قال القوم لإبراهيم قَالُوا وَأَنتَ فَعَلْتَ هُذَا بِاهِتِنَا إِبْرَاهِيمُ (الأنبياء: 62)، أي: أنت الذي حطمت هذه الأصنام التي كنا نعبدها؟ رد عليه السلام في قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هُذَا فَسْلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ (الأنبياء: (63)، فُسرت هذه الآية بأنه " إذا جاءت بعد استفهام أفاد إبطال فقولهم: أأنت فعلت هذا سؤال عن كونه محطّم الأصنام، فلما قال: بل فقد نفى عن نفسه، وهو نفي مخالف للواقع ولاعتقاده فهو كذب. غير أن الكذب مذموم، ومنهي ولكن يرخص للضرورة مثلما قاله إبراهيم، فهذا الإضراب كان تمهيدًا للحجة على نية أن يتضح لهم الحق بآخرة، وهو أن يعبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم وأما عندما قال فعله كبيرهم هذا ليس كذبًا وإن كان مخالفًا للواقع والاعتقاد المتكلم لأن الكلام والأخبار إنما تستقر بأواخرها وما يعقبها كالكلام المعقب بشرط أو استثناء، فالناظر في بداية الأمر يجد بأنها كذبات، ولكن التأمل يظهر المقصود منها، وذلك أن النهي عن الكذب إنما علته خدع المخاطب، وما يتسبب على الخبر المكذوب من جريان الأعمال على اعتبار أن الواقع بخلافه، فإذا كان الخبر يعقب بالصدق لم يكن ذلك من الكذب بل كان تعريضا أو مزحًا أو نحوه "2. ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّلِمُونَ) (الأنبياء: 64) ذكر الطبري في تفسيره لهذه الآيات أن معنى رجعوا إلى أنفسهم، أنهم رجعوا إلى بعضهم، ثم قال الله تعالى: ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ (الأنبياء: 65) نكسوا رؤوسهم دليل على أنهم غلبوا بقوة هذه الحجة وعرفوا بان آلهتهم لا تضر ولا تنفع ولا تبطش بشيء، ثم في نهاية الآية قالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي علمنا بأنها لا تتكلم، فتخبرنا من صنع فيها هكذا بعدها جاء قول الله تعالى مبينًا إقرارهم بما عرفوا به، وهو أن الأصنام لم تدفع لا تنطق نفسها الضر الذي أصابها، وهي.

عند

1

التونسي، التحرير والتنوير، ص 98، ج 17.

انظر: التونسي، التحرير والتنوير، ج 17،

ص

.102

عن

45

15