الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٥٤

من

فتخبرهم من صنع ذلك بها، فكيف ينفعونكم أو يضرونكم، وهذا في قوله عز وجل: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْاً وَلَا يَضُرُكُمْ﴾ (الأنبياء: 66)، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء: 67) معنى أف لكم: "قبحًا لكم، وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضركم ولا ينفعكم"، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض وخالق كل شيء، وهو الذي بيده النفع، والضَّر لا معبود سواه. النتيجة النهائية بعد كل هذا الخطاب هو أن يحكموا عليه بالحرق في النار بعد أن عزم على إقامة هذا التغيير، وتكسير الأصنام وإقامة الحجة عليهم، قال الله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوا وَالهِتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ) (الأنبياء: 68) يستخلص من ردة الفعل هذه أنه "لما أعيتهم الحيلة في حوارهم مع إبراهيم لم يجدوا أمامهم إلا سلاح العاجز وهو القوة والبطش به وأمروا بحرقه "2.

ترى الباحثة بعد تحليل وسرد الموقف العظيم من دعوة إبراهيم عليه السلام، وكيفية استعمال الشدة هناك لتكون أسلوبًا دعويًّا، يمكن التوصل إلى بعض النتائج، والتحليلات:

استعمل إبراهيم عليه السلام أسلوب الشدة خلال دعوته من خلال تكسير الأصنام إلا أنه استخدم أسلوب اللين والرفق، والعطف والحب مع والده المشرك، ولم يستخدم الشدة، فقد ذكرت الباحثة موقفه من دعوة أبيه لتتضح الصورة للقارئ، ويتوصل هنا أنه لا بد من مراعاة مقامات الناس حيث لا يمكن استخدام الشدة، عند مخاطبة الوالدين، وهذا أمر منهي عنه، لذلك راعى عليه السلام هذه الفروقات ولم يتعداها خلال دعوته رغم أن والده مشرك بالله،

عابد أوثان.

بعد النظر في قصة إبراهيم عليه السلام ودعوته مع قومه مرورًا بتفسير بعض الآيات العظيمة، نجد إنه عندما استخدم الشدة خلال دعوته لم يكن إلا بعد محاولات إقناع عديدة، ودعوتهم باللين، والرفق، فحكمة النبي ودهائه وعظيم تفكيره، وتسخير الله له بأن يستعمل الشدة بمقابل أن يقوم عليهم الحجة، وكأنها حيلة تكشف مدى سذاجتهم عندما يعبدون أصنامًا لا تجلب النفع، ولا الشر، وتفضيلهم لها عن عبادة الله فالقوة والشدة التي استعملها من باب كشف

1 الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج 16، ص 304.

2 البدوي الموسوعة الكبرى لقصص الأنبياء، ص 84.

46