الشدة في الخطاب الدعوي: مراحلها وآثارها في الوقت المعاصر الأخزمية، هاجر بنت محمد بن سيف

الشدة في الخطاب الدعوي

الجزء ١ · صفحة ٥٥

المستور، وتوضيح الحقيقة بصورة لافتة وواضحة، إلا أنهم بعد كل ذلك قرروا حرقه، والخلاص منه، رغم أنه توقع هذه النتيجة بالفعل.

وكذلك استعمال إبراهيم عليه السلام تغيير المنكر باليد عندما علم بأن الجدال مع قومه لم يؤثر عليهم، فتحول إلى وسيلة عملية تلفت إليه الأنظار، وكان عالما بالنتائج التي ستخلفها لأنه يعلم طبيعة القوم وأحوالهم الذين يدعوهم، وكذلك كان على علم تام أنه سيقابله هذا الفعل بالضرر، والأذى، فكان سبب تکسيره هو لفت أنظارهم إلى أن معبودهم لا يجلب النفع، ولا الضر، وبعد أن علم بتجمعهم انتهز الفرصة الذهبية، وكسر الأصنام بيديه، وهذا يسمى بتغيير المنكر باليد "1، حيث قال أبو سعيد، قال رسول الله: (من رأى منكم منكرًا

ما

فلينكره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) 2. مما لا شك فيه أن تغيير المنكر باليد ليس لكل أحد، وليس في كل منكر؛ لأن ذلك يجري من المفاسد، والأضرار الكثير، بل كل شيء محكوم بضوابطه الشرعية كما قال ابن تيمية: "وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه، مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق

ويقيم الحدود، ويجلد الشارب لأنه لو فعل ذلك لاقتضى إلى الهرج، والفساد".

6

المطلب الثالث: موقف الشدة من دعوة سليمان عليه السلام لملكة سبأ. إن الله تعالى أعطى كل نبي من الأنبياء معجزة عظيمة ليتمكن من خلالها من توصيل الدعوة إلى قومه، فكان لسليمان عليه السلام من بين معجزاته أن يكلم الطير ويسمع تغريد الطيور، ويعي ما تقوله، حيث قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُردُّ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 16) ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: " أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام والتمكين العظيم، حتى أنه سخر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضا، وهذا شيء لم يعطه أحد من أسماء الجميل، "اللين والشدة في الدعوة دراسة قرآنية "، (رسالة ماجستير، جامعة الإسلامية – غزة، 2012 م

1

محمود،

)، ص 118.

2 الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي رقم الحديث: 2172، ط 1. (بيروت: دار الغرب الإسلامي،

.4694 (1996

3 الحراني، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، المحقق. محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط 1 .. (د. م: د. ن، 1418 هـ)، ج 4، ص 203.

47