الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٥٧والتقطت الكتاب الملقى وقالت لحاشيتها من الأمراء والوزراء: إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ (النمل: (30) بعدها كتب لها مخاطبًا أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأَتُونِي مُسْلِمِينَ (النمل: 31) أي "ألا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه وانقادوا إليه وأقبلوا إلى مذعنين لله بالوحدانية، والطاعة، ومستسلمين "، ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَأْيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ (النمل: 32) أي "أشيروا علي في هذا الأمر الذي نزل بي فجعلت المشورة لكم وما كنت أمضي هذا الأمر حتى تشيروا علي"
211
اغترت حاشية الملكة بقوتهم العسكرية، وبعدتهم، وعتادهم، وبسالتهم القتالية وقالوا لها: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيد وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ (النمل:33)، ذكر الطبري في تفسيره لأولوا بأس أي "نحن ذوي قوة على القتال والبأس"3، كانت ملكتهم أكثر حكمة وفطنة منهم، ولم تفكر أن تجيش الجيوش لمحاربة سليمان، وقومه، فقد تصورت نهاية كل حرب بأن هناك طرفًا منتصرًا، وآخر مهزومًا، وقالت: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (النمل: 34)، ففسر قوله: " وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً " أي "بالاستبعاد" 4، بذكاء الملوك، والتصرف الحكيم قالت سأرسل إليهم وفدًا يحمل الهدايا، وأنتظر عودة الوفد ليبلغها ماذا رأى، وبناء على رد الوفد، ورأيه في قوم سليمان تنظر ماذا تفعل بعد ذلك، حيث قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّة فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: 35).
ذهب الوفد بالهدايا الذهبية، واستأذن في الدخول على سليمان، وتفاجئ الوفد مما رأى من مظاهر الثراء، والبناء، والرفاهية التي حولهم واستعرض سليمان جيشه أمامهم، وعرفوا أن هذا الجيش لا قبل لهم به، وهداياهم لا تساوي شيئًا أمام ملك سليمان عليه السلام، فقال لهم سليمان عندما قدموا له الهدايا: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالَ فَمَا عَاتَنِ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا اتَكُمْ بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّنِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ (النمل: 36) معنى كلامه أنه ليس راغب في المال الذي
1
انظر: ر الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج 18، ص 49. 2 البغدادي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري، كتاب تفسير الماوردي = النكت والعيون، المحقق. السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم د. ط. (بيروت: دار الكتب العلمية، د. ت، ج 4، ص 207 ص 208. 3 الطبري، جامع البيان في تأويل آي القرآن، ج 19، ص 453.
الأصبهاني، محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري، تفسير ابن فورك أول سورة المؤمنون - آخر سورة السجدة، تحقيق. علال عبد القادر بندويش، ط 1. (المملكة العربية السعودية: جامعة أم القرى، 1430 هـ -2009 م)، ج 1، ص 297.
49