الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٦٣اهتمام أبي موسى، ومعاذ بن جبل رضي الله عنه بإقامة حد الردة.
لو أتينا إلى منع الرأفة في بعض الحدود التي شرعها الله تعالى لعباده المذنبين كالزاني، والزانية وما يستحقوه من عقوبة، أعقبه الله بالنهي من أن يأخذ المؤمنين رأفة في إيقاع العقوبة عليهما، حيث
دين
قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٌ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَة مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (النور:2) قال القرطبي: " أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقة على المحدود، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع"، وهنا لا بد من استخدام الشدة مطلقًا، وعدم استعمال غيرها في إقامة الحدود الشرعية لكل من خالف النهج الرباني، ولا رادع سوى إقامة الحد على أكمل وجه، فهنا الشدة اتضحت بأنها في أعلى الدرجات.
رضي
الله
كذلك انتقام رسول الله عند انتهاك حرمات الله تعالى، فاستعمل الشدة، والغلظة أيضًا، وكان عليه السلام رغم رأفته ورحمته، وشفقته وعفوه، وسعة صدره، يغضب غضبًا شديدًا عندما تنتهك حرمات الله تعالى، وكان ينتقم أشد الانتقام عليها، وشهدت ذلك أم المؤمنين عائشة عنها، فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى ينتهك من حرمات الله، فينتقم الله)، ففي شرح الحديث يقول ابن حجر: "ما انتقم لنفسه أي خاصة، فلا يرد أمره بقتل أي أحد ممن كان يؤذيه، فقد عفا عمن كان يؤذيه سواء لسبب أو دون سبب، إنما كان ينتقم لمن انتهك حرمة الله تعالى واعتدى عليها بالوقوع في الحرام وعدم اجتنابه فالحديث يحث على العفو إلا في حقوق الله تعالى فهنا تظهر الشدة والغلظة في ذلك "، فقد كان شديدا في هذه الأمور ولا يترفق فيها أبدًا.
2
311
1 القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الانصاري، الجامع لأحكام القرآن تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط 2. (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1384 هـ - 1964 م)، ج 12، ص 165. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه صحيح البخاري، تحقيق. جماعة من العلماء، رقم الحديث: 6850، ط 1. (بيروت: دار الطوق النجاة صحيح البخاري، 1422 هـ)، ج 8، ص 174. 3 انظر: العسقلاني، أحمد. بن علي بن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري رقم كتبه وبوبه. محمد فؤاد عبد الباقي، إخراجه وتصحيحه. محب الدين الخطيب، ط 1. (مصر: المكتبة السلفية، 1380 هـ - 1390 هـ)، ج 10، ص 531، توجد في الحديث إضافة ولا توجد في صحيح البخاري: " ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما انتقم
55