الشدة في الخطاب الدعوي
الجزء ١ · صفحة ٧٦ومتكامل، لذا عليه أن يحكّم فعله، ويعلم أنه لا يمكن الاستغناء عن الشدة في وقتنا المعاصر، بحيث لا تكون جميع الأساليب المتبعة للدعوة تتصف باللين والرفق فقط، ففي بعض المواقف يضطر الداعي إلى استخدام الشدة للفت الانتباه وجذب الأنظار إليه، ويكمن تعريف الحكمة في وضع الشيء في موضعه، ومعنى ذلك عدم خروج السلوك القولي والعلمي عن دائرة الواقع في حاجاته وتطلعاته ومستواه "، كما أنها تعني أيضا "استيعاب الأدلة العلمية المقنعة، والبراهين العقلية الساطعة، وأن نكلم الناس بلسانهم لا بلغتهم فقط، بل أن نحدث كل قوم بما يناسب واقعهم ومشكلاتهم وتحدياتهم وآلامهم وآمالهم والرفق بتبني منهج التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة وترتيب الأصول والأولويات … " 2، حيث قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجُدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل: 125)، "هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمر رسوله أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون خشونه، وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة، فهي محكمة في جهة العصاة الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق وجاء أيضا في التفسير: "يقول الله تعالى آمرا رسوله محمدا أن يدعو الخلق وقال ابن جرير: "وهو أنزله عليه في الكتاب والسنة، والموعظة الحسنة: أي بما فيه
الكافرين "
بالحكمة
6
311
6 …
411
من الزواجر والوقائع بالناس، ووضحت الآية أهمية استعمال الحكمة خلال الدعوة بأمر الرسول عليه السلام بها. لذا فإن مظاهر الحكمة في الدعوة تكون في اختيار الأسلوب المناسب أمر لا بد منه، فبالحكمة يعلم الداعي مواطن استعماله للشدة واللين على حسب الأحوال والظروف المتاحة فإذا ظهر من المدعو العناد والظلم فلا مانع من الإغلاظ عليه، كقوله تعالى: وَلَا تُحدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنا وَإِلَهُكُمْ وَحِد وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت (46)، فقد استثنى هنا الله تعالى الرفق واللين في مجادلة الذين يبدون الظلم للدعاة باستعمال الشدة لهم وكذلك وصف الله تعالى عباده
1
جدو،
ص 117.
غسان، خطاب الإسلاميين والمستقبل، ط 3. (بيروت: دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، 1422 هـ - 2001 م)،
2 القرضاوي، يوسف خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، ط 1. (القاهره: دار الشروق، 1424 هـ - 2004 م)، ص 31. 3 القرطبي، جامع الأحكام القرطبي، ج 10، ص 201.
4 القرشي، إسماعيل بن عمر بن كثير، تفسير ابن كثير د. ط. د. م)،دن، د. ت)، ج 4، ص 613.
68