التناص القرآني في الشعر العماني الحديث مجهول

التناص القرآني في الشعر العماني

الجزء ١ · صفحة ١١

ناصر جابر (شبانه)

على ثرى هابيل

1089

(177،1997

وارتعاشة دمائه النقية" (الفارسي، وهنا يصبح هابيل رمز الضحية الإنسانية، حين يسقط بيد أخيه الشرير الذي سن قانون القتل، مما يتيح للشاعر أن يقول دون أن يقول، وما يسترعي النظر هو أن مفردة قابيل هي التي استجرت هذا الفضاء الدموي، فهي مفتاح الإشارة التناصية، فلا تعالق نصياً بين نسيج ونسيج، هي إيماءة لفظية لو حذفت لما بقي ما يدل عليها في النص:

بقدر ما

"فبعضنا كالشوك في الخميلة

كفكرة مسمومة

ملعونة الرغاب

تفوح بالرذيلة

عاثت يد قابيل في "دماه" (الفارسي، 1997، 177).

إن قابيل هنا ليس أكثر من رمز يشير إلى القاتل، فالشاعر لم يسع إلى استحضار الشخصية بكل فضائها إلى جو النص من خلال توظيف السرد أو الدراما على سبيل المثال، وهو ما يهبط بالتناص حين يقترب من حدود التشبيه أو الاستعارة إلى أدنى توقعات القارئ.

إن ما يلمحه القارئ في مثل هذه البناءات هو "جمل مفتاحية" تستجرّ فضاء قرآنياً بأكمله، ولا يكتفي القارئ بإزائها بالربط بين النصين بمقدار ما يشعل حرائق المخيلة ليغدو قريباً من معاينة أحداث القصة القرآنية بما يخدم رؤية النص الجديد، يقول سيف الرحبي:

"قبائل ترتجف من الذعر

وأخرى تنحدر نحو السفوح

محدقة في الأبد الجارف للسيل

لن أنزل عن جبلي

فلا عاصم إلا الله" (الرحبي، 1996، 59).

إن هذا المقطع الشعري يحيل مباشرة إلى قصة نوح - عليه السلام -، والسطر الأخير من المقطع هو المسؤول الأول عن الإحالة إلى الآية الكريمة: (قال) لا عاصم اليوم من أمر الله) (هود، 43)، غير أن ما يدهش في هذا التوظيف ما يمكن أن أسميه "التناص الخلافي" "، فأصل القصة القرآنية قائم على أن راكب السفينة هو القائل: لا عاصم اليوم من أمر الله، أما من اعتصم بالجبل فهو ابن نوح الذي رفض ركوب السفينة مع المؤمنين، غير أن النص الشعري قد وظف الآية بطريقة خلافية لتطويعها من أجل أن تتسق مع الرؤية الشعرية التي جهد الشاعر في

مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007