التناص القرآني في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ١٣ناصر جابر (شبانه)
1091
غير
صديق السحرة الذين ألقوا أخي
في غياهب الجب
وما زالت أمه تنتظر رجوعه إلى "اليوم" (الرحبي، 1996، 64).
ففي المقطع الأول ثمة إشارة تناصية كامنة في كلمة "أبابيل" التي تشير إلى سورة الفيل، أن مثل هذه الإشارة تبقى طارئة على النص، وغير محملة بدلالاته ولا منعجنة بأجزائه، ومن هنا كانت قيمتها الفنية متواضعة، فهي وإن كانت تستحضر فضاء قرآنياً غير أنه منعزل عن السياق النصي، ولا خيوط واضحة تربطه به، في حين أن المقطع الثاني يعكس فضاءين يتماهيان ويتداخلان حتى ليحيل أحدهما إلى الآخر، ليغدو التناص فاعلاً لأنه غير مرتبط بمفردة بعينها، بمقدار ما يتوزع على مساحة النص، ليعكس رؤية الشاعر ويبرزها من خلال قصة يوسف الذي ألقاه أخوته في الجب واتهموا الذئب، وكان أبوه في انتظاره سنين طويلة، ولا بأس في أن تستبدل الأم بالأب، ذلك لأن المقصود ليس الاستحضار الحرفي / التاريخي للقصة القرآنية، بل تطويعها لخدمة الرؤية الفنية في القصيدة:
"الغنيمة التي جادت بها السماء
والمياه التي باركها الأنبياء
على صخرة عطشهم الكبير
رفة جناح الهدهد في عرش سليمان" (الرحبي،
(22
إن هذه الإشارة التناصية بالغة الدلالة؛ لأنها تمنح القارئ من الصلاحيات ما يمكنه من التعاطي مع نص مشبع بالدلالات بحرية لا محدودة، حتى يتمكن من فك شيفرة النص، وربط خيوط الإحالة ما بين النص القرآني الضيف على النص والنص الشعري نفسه. إن عصيان الهدهد لأمر سليمان، حين رف بجناحه بعيداً، كان سبباً في غنيمة السماء ووفرة المياه، وكأنما تبدو الرؤية الشعرية وهي تحرض على الخروج والعصيان، ليبدو ما يقوله النص الموازي أو الغائب أكثر وأبلغ مما يقوله النص بمعزل عن سياقاته التناصية:
"كان ليل ينكسر على رؤوسنا
كانت مدينة بشرية كاملة
من النمل تسرح في حروفه
ذا النمل الذي بنى عرشه على الأرض
وليس على الماء" (الرحبي، 2000، 64).
وما كانت تلك الإحالة ستتحقق في النص لولا معرفة القارئ بالنص السابق، ومن هنا فإن قارئاً مثقفاً ثقافة قرآنية ودينية يعد ضرورة لتحقيق التناص القرآني. وتبدو قصة سليمان الحكيم
مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007