التناص القرآني في الشعر العماني
الجزء ١ · صفحة ١٤1092
"التناص القرآني في الشعر العُماني الحديث"
مع
الهدهد أو مع النمل من القصص الأثيرة لدى سيف الرحبي، فهو يستحضر هذه القصص، ويوظفها في نصه لإغناء الدلالة وإبرازها بطريقة جمالية، ليس على سبيل الإشارة التناصية العابرة، وإنما على أساس من التمازج الكلي الذي يصهر عناصر النصين المتعالقين اللذين يستعير أحدهما رؤية الآخر للإحالة إلى الواقع، حتى ليغيب البعد الواقعي ويختفي لصالح النص المستضاف، كما نجد في المقطع التالي:
"سليمان الحكيم في مملكته المترامية الأطراف
والكائنات والعواصف والطيور
أراد تأديب الهدهد بأن رماه
في العيش مع جنس غير جنسه
كان ذلك أسوأ عقاب
حتى من التعذيب المباشر والقتل" (الرحبي، 2002، 95).
ولا يبدو الشاعر - بوصفه شاعراً وليس مؤرخاً - معنياً بحرفية القصة القرآنية وسلامتها من التحريف، بل يحرص على ممارسة حفرياته فيها بما يخدم رؤيته الخاصة التي تومئ إلى سلبية المنفى التي تفوق فعل التعذيب بل القتل، وإذا أحسن القارئ التعامل مع هذه البنى "الملغزة" وفك شيفرة النص كما ينبغي؛ فإنه سيتفهم دوافع الشاعر وراء حرف القصة القرآنية عن مسارها التاريخي لصالح الدلالة النصية، فالقارئ في نهاية الأمر يتعامل مع نص شعري وليس مع سياق
قرآني. وفي بناء شعري لافت يبدو إبراهيم الحجري في قصيدته "من" مقامات السر" حريصاً على إقامة حوار صوفي بين "الأنا الشاعرة" والذات الأخرى التي يبدو الحوار معها وكأنه حوار بين الذات الشاعرة والذات الإلهية، مما يجعل النص القرآني حاضراً بقوة:
"وشربت
فساقطت الهيئة من أولها
وأحدثت دوياً هائلاً
اصطكت منه ضلوعي
(هذا فراق بيني وبينك)
ألم أحذرك لا تفعل حتى تسأل" (الحجري، 1999، 192).
مجلة جامعة النجاح للأبحاث العلوم الإنسانية)، المجلد 21 (4)، 2007